أنواع من الشعائر التعبدية، والشرك العملى

بــــــــــــاب
أنواع من الشعائر التعبدية، والشرك العملى

u فصل: المحبة عبادة
المحبة أنواع: (1) محبة تعبدية، و(2) محبة شركية، و(3) محبة معصية، و(4) محبة طبيعية
فالمحبة التعبدية: وهى حب الله، وحب ما يحبه الله، وبالأخص حب الإسلام والتوحيد وأهله، وبغض الشرك والكفر والفسوق والعصيان. فهي محبة لله، وفي الله، وقد فصلنا الكلام عنها، وعن لوازمها في الباب المتعلق بتوحيد المحبة والولاء.
v قال الله تعالى: }ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، والذين أمنوا أشد حبًا لله...{، (البقرة؛ 2:165).
v وقال: }يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم، ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم{، (المائدة؛ 5:54).
v عن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم.
v ولهما عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». وفي رواية: «لايجد أحد حلاوة الايمان حتى ...» إلى آخره.
محبة شركية: وهى حب غير الله كحب الله أو أشد، وهى من الشرك العملي. وهي المحبة مع الله.
قال الله تعالى: }ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، والذين أمنوا أشد حبًا لله...{ (البقرة؛ 2:165).
محبة معصية: وهي المحبة لما يبغضه الله: كحب الحرام، وكحب أصحاب المعاصي والبدع والأهواء وغير ذلك من المحبة المخالفة للشرع، محبة شهوة، أو مصلحة، وليس لاعتقاد فاسد، أو لبغض الله، ورسوله، وشريعته، وإلا لكانت محبة شركية كفرية، تخرج من الملة.
محبة طبيعية: كحب الأولاد والأهل، والنفس، والمال، والوطن، وحب الجمال، والأخلاق الفاضلة، وغير ذلك من المباحات لكن يجب أن تكون طبيعية، في حدود الاعتدال، وألا تتجاوز حدها الطبيعي:
(أ) فإذا شغلت الإنسان عن طاعة الله فترك بعض الواجبات، أو ارتكب بعض المحظورات فهي محبة معصية،
(ب) فإذا طغت على حياته، وقلبه، وأحبها كحب الله، أو أشد، فهي محبة شركية.
والاعتدال في الحب والبغض الطبيعي سمة الحكماء العقلاء، فقد أخرج البخاري في «الأدب المفرد» بإسناد صحيح عن أسلم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الل عنه، قال: (لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً)، فقلت: كيف ذاك؟! قال: (إذا أحببت كَلِفْت كَلَف الصبي، وإذا أبغضت أحببت لصاحبك التلف!). وكذلك بإسناد حسن عن عبيد الكندي قال: سمعت علياً، رضوان الله وسلامه عليه، يقول لابن الكواء: (هل تدري ما قال الأول؟! أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما؛ وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما!!)، قال الألباني: (وقد صح مرفوعا إلى رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم).
u فصل: الخـوف عبادة.
وهو الخوف من الله وحده لا شريك له. وهذا النوع عبادة قلبية تعبدنا الله به. قال الله تعالى: }ولمن خاف مقام ربه جنتان{، (الرحمن؛ 55:46).
وقال تعالى: }وأما من خاف مقام ربه، ونهي النفس عن الهوى، فإن الجنة هى المأوى{، (النازعات؛ 79:40-41).
وقال تعالى واصفًا عبادة الملائكة: }يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون{، (النحل؛ 16:50).
v وقال: }ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون{، (الأنبياء؛ 21:28).
وقال تعال: }الذين يبلغون رسالات الله، ويخشونه، ولا يخشون أحدًا إلا الله، وكفى بالله حسيباً{، (الاحزاب33:29).
v وقال: }إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة، وأجر كبير{، (الملك؛ 67:12).
v وقال، تباركت أسماؤه، وتقدست صفاته: }فلا تخشوا الناس، واخشوني، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً{، (المائدة؛ 5:44).
غير أنه ينبغي أن يعلم أن الخوف من الله، إنما هو خوف من عقوبة الله وغضبه، وسوء الحساب، المترتب على ذنوب العبد ومعصيته وتقصيره، وليس خوفاً من ذات الله! أما ذات الله جل وعلا فلا يرد في حقها سوى التعظيم، والتوقير، والهيبة، والاحترام، لا الخوف. والأمر كما قيل: «لا يخافن أحد إلا ذنبه، ولا يرجون أحد إلا ربه»!
u فصل: شرك الخوف
وهو أن يخاف العبد من غير الله كخوفه من الله أو أشد.
ومنه: أن يخاف العبد من انسان أو أناس فيترك واجبًا، أو يرتكب محرما خوفًا منهم، ولم يصل الحال إلى حد الإكراه الملجيء، فهذا الخوف معصية، وهو شرك عملى.
v قال الله تعالى: }ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية{، (النساء؛ 4:77).
v وقال الله تعالى: }إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين{، (آل عمران؛ 3:175).
v وقال تعال: }فلا تخشوهم واخشوني{، (البقرة؛ 2:150).
v وقال تعالى: }فلا تخشوهم واخشون{، (المائدة؛ 5:3).
v وقال تعالى: }فلا تخشوا الناس واخشون{، (المائدة؛ 5:44).
v وأخرج ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، عنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «لا يحقرنَّ أحدكم نفسه!»، قالوا: يا رسول الله! كيف يحقر أحدنا نفسه؟! قال: «يرى أمراً لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله، عز وجل، يوم القيامة: ما منعك أن تقول فيّ كذا وكذا؟!، فيقول: خشية الناس!، فيقول الله، تبارك وتعالى: فإياي كنت أحق أن تخشى». وهو حديث صحيح.
v وأخرج ابن حبان بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «من التمس رضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس؛ ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس».
v وأخرج الترمذي، وأبو نعيم في «الحلية»، عن عائشة، رضي الله عنها، تخاطب معاوية: (من التمس رضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤونة الناس؛ ومن التمس رضى الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس)، وهو أثر صحيح.، وهو تعبير رائع لعائشة بالمعنى عن لفظ الحديث الصحيح السابق، وكلام رسول الله أبلغ، وأفصح، وأبين، وأكثر معنى.
وقد قال الشاعر، فأحسن:
إذا صح منك الود يا غاية المنى vvv فكل الذي فوق التراب تراب
وكل مخلوق فوق التراب، بلا شك تراب، فكيف تقدم خشية من خُلِقَ من التراب، على طاعة رب الأرباب؟!
u فصل: الخوف الطبيعى
وهو: كخوف الانسان من العدو والسبع والحية والوباء والموت وغير ذلك وهذا جائز على أن لا يتعدى حدود الخوف الطبيعي فينقلب إلى جبن وهلع، يتلف الشخصية، ويذهب بالعقل.
قال تعالى حاكيًا حال عبده ونبيه موسى عليه السلام، وهو واحد من أفضل خلقه: }فأصبح في المدينة خآئفا يترقب{، (القصص؛ 28:18)
وقال: }فخرج منها خآئفا يترقب {، (القصص؛ 28:21).
وقال موسى عليه السلام: }قال رب إني أخاف أن يكذبون v ويضيق صدري، ولاينطلق لساني، فأرسل إلى هارون v ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون{، (الشعراء؛ 26:12ــ14).
وقال موسى عليه السلام: }قال: رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون{ (القصص؛ 28:33).
u فصل: الدعاء عبادة
والمقصود بالدعاء هنا كل أنواعه: بطلب كافة المصالح الدنيوية والأخروية، بما في ذلك، الاستعانة: أي طلب العون، والاستغاثة، وهي طلب الغوث، والاستعاذة: طلب العوذ، والاستنصار، أي طلب النصرة، وغير ذلك.
v قال الله تعالى: }إن يدعون من دونه إلا إناثًا وإن يدعون إلا شيطان مريداً v لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيًبا مفروضًا {، (النساء؛ 4:117ــ 118).
v وقال تعالى: }قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى أئتنا، قل إن هدى الله هو الهدى، وأمرنا لنسلم لرب العالمين{، (الانعام؛ 6:71).
v وقال تعالى: }إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين{، (الاعراف؛ 7:194).
v وقال تعالى: }والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون{، (الاعراف؛ 7:197).
v وقال تعالى: }ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين{، (يونس؛ 10:106).
v وقال تعالى: }له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال{، (الرعد؛ 13:14).
v وقال تعالى: }ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلى الكبير{، (لقمان؛ 31:30).
v وقال تعالى: }يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا، له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًِا لايستنفذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب{، (الحج؛ 22:73).
v وقال تعالى: }مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون v إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم{، (العنكبوت؛ 29:41ــ42).
v وقال تعالى: }ذلكم الله ربكم له الملك ،والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطميرتv إن تدعوهم لايسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوالكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير{، (فاطر؛ 35:13ــ14).
v وقال تعالى: }ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره، أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته، قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون{، (الزمر؛ 39:38).
v وقال تعالى: }قل أرأيتم ما تدعون من دون الله، أرونى ماذا خلقوا من الأرض، أم لهم شرك في السماوات، أتونى بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين v ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون v وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء، وكانوا بعبادتهم كافرين{، (الأحقاف؛ 46:4ــ6).
v وقال تعالى: }وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا{، (الجن؛ 72:18).
v وقال: }إنما أدعوا ربى ولا أشرك به أحد v قل إني لا أملك لكم ضرًا ولارشداً{، (الجن؛ 72:22).
فالدعاء المذكور في الآيات السابقات، وغيرها كثير في القرآن، هو دعاء المشركين لمن يعتقدون فيهم الألوهية، فهو دعاء عبادة. وقد بينت الآيات أن ما يعتقده المشركون في تلك المعبودات باطل، وأنه خلاف الواقع، وهو وهم لا حقيقة له. فتلك المعبودات لا تضر ولا تنفع، وهي في الحقيقة عباد مثل دعاتها، لا تستطيع إجابتهم، ولا نصرتهم، ولا حتى نصرة نفسها! وهي باطلة لا وجود لها إلا في مخيلة عابديها وعقولهم المريضة. وما هي إلا أسماء سمّوها، ما أنزل الله بها من سلطان. وهي لا تستطيع خلقاً أو تدبيراً، ولو اجتمعت كلها في صعيد واحد لخلق ذبابة، لما استطاعت!
والدعاء، أي العبادة، التي تعني في جوهرها، كما هو هنا: الإتباع والطاعة، والخضوع والتسليم، موجه في الحقيقة إلى الشيطان المريد، المطرود من رحمة الله، وهو عدو لهؤلاء الحمقى، يريد إهلاكهم، وإضلالهم، وقد أقسم بعزة رب العزة أن يضل ويهلك أكبر عدد من بني آدم، وسوف يظهر ذلك كله جلياً عند كشف الحجاب يوم القيامة، حيث لا تنفع الحسرة والندم، ولات ساعة مندم.
والله، وحده لا شريك له، هو المتفرد بالكمال، والجلال، والجمال، والخلق، والتكوين، والتصرف في الكون، والإماتة والإحياء، وتقدير الآجال، والأرزاق، وسائرالنفع والضر، وكذلك الحساب، والثواب، والعقاب! وهو سميع بصير، وهو بكل شيء عليم، وهو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهو جواد كريم يفرح ويرضى إذا دُعِيَ وطُلِبَ، ويغضب على من لا يدعوه ولا يسأله، بخلاف غيره، من المخلوقين، الذين يكرهون إذا طلبهم أحد أو سألهم! لذلك فقد التوجه إلى غيره كل المعاني والمبررات، ووجب التوجه إليه، وحده لا شريك له، بالضراعة، وإظهار الذل والفقر والحاجة، والسؤال لقضاء الحاجات، لا رب غيره، ولا إله سواه، عليه نتوكل، وبه نتأيد!
v لذلك قال تعالى: }ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه، إنه لا يفلح الكافرون{ (المؤمنون؛ 23:117).
v وقال تعالى: }فلا تدع مع الله إلهاً أخر فتكون من المعذبين{ (الشعراء؛ 26:213).
v وقال تعالى: }فلا تدع مع الله إلهًا أخر! لا إله الا هو..{ (القصص؛ 28:88).
والآيات في هذا االمعنى كثيرة جداً، أما الاحاديث فمنها:
v عن النعمان بن بشير ـ رضى الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: }وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين{ أخرجه أبوداود، والترمذي وابن ماجه، والبخاري في «الأدب المفرد» في (باب فضل الدعاء)، واسناده صحيح. أما ما روي من قوله: «الدعاء مخ العبادة»، مع صحة معناه، فضعيف الإسناد.
v عن عبدالله بن عباس ــ رضى الله عنهما ــ أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك! احفظ الله تجده تجاهك! إذا سألت فاسأل الله! وإذا استعنت فاستعن بالله! واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشىء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الاقلام، وجفت الصحف» أخرجه الترمذي باسناد صحيح.
v وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من لم يسأل الله، غضب الله عليه». أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» بإسناد حسن، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والبزار، والحاكم وصححه.
v وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم. وكذلك البخاري في «الأدب المفرد» بإسناد حسن.
v وأخرج الترمذي عن ابن عمر مرفوعاً: «إن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل: فعليكم عباد الله بالدعاء!»، وفي إسناده ضعف، ومع ذلك صححه الحاكم، فلعله لشواهده ومتابعاته.
v وأخرج أبو يعلى عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، مرفوعاً: «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض»، وفي إسناده ضعف، ومع ذلك فقد صححه الحاكم.
v كما أخرج من حديث ابن مسعود مرفوعاً: «سلوا الله من فضله! فإن الله يحب أن يسأل».
v وأخرج الطبراني في «الدعاء» عن عائشة مرفوعاً: «إن الله يحب الملحين في الدعاء»، وذلك بسند رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة بقية، وما أدراك ما عنعنة بقية!
v وقال ابن عباس، رضي الله عنهما: (أفضل العبادة الدعاء)، ثم قرأ: }وقال ربكم ادعوني استجب لكم{. هذا أثر صحيح، رواه ابن المنذر، والحاكم، وصححه. وأخرج مثله ابن عدي عن أبي هريرة، وابن سعد عن النعمان بن بشير.
v وعن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من مسلم يدعو، ليس بإثم، ولا بقطيعة رحم، إلا أعطاه إحدى ثلاث: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها». قالوا: (إذاً نكثر؟!)، قال: «الله أكثر!» هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ ابن حجر.
v وعن عبادة بن الصامت مثله، إلا جملة (الإدخار)، أخرجه الترمذي بإسناد حسن.
v وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من مؤمن ينصب وجهه إلى الله يسأل مسألة إلا أعطاه إياها: إما عجلها له في الدنيا، وإما إدخرها له في الآخرة، ما لم يعجل». قالوا: (يا رسول الله! وما عجلته؟!)، قال: «يقول دعوت، ودعوت، ولا أراه يستجاب لي!»، أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»، وهو صحيح لغيره وبشواهده السابقة.
v وقريب منه في الصحيحين، وأبي داود، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يستجاب لأحدكم ما لم [يدع بإثم، أو قطيعة رحم، أو] يعجل؛ يقول: دعوت، فلم يستجب لي [فيدع الدعاء]».
v و عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع!»، أخرجه الترمذي، وقال: (هذا حديث غريب؛ وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا فيه عن أنس). وقد أخرج له الترمذي شاهداً صحيحاً، ولكنه مرسل، وله شواهد عند أبي يعلى، وابن حبان، فالحديث حسن قطعاً.
v وجاء في مسند أبي يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء». حديث صحيح، كما هو مفصل في الملحق، أخرجه الترمذي، وابن عدي، والحاكم، والخطيب في تاريخ بغداد.
u فصل: دعاء العبادة ودعاء المسألة
لقد أتعب بعض المجتهدين أنفسهم في محاولة التفريق بين «دعاء العبادة»، و«دعاء المسألة» فقال بعضهم: (الدعاء لا يكون دعاء عبادة إلا إذا سأل السائل من غير الله «ما لا يقدر عليه إلا الله»)، وقال الآخرون: (إذا كان المسؤول حياً، حاضراً، فلا بأس، وهو «دعاء مسألة»، وإن كان غائباً، أو ميتاً، فهو «دعاء عبادة» وفاعله مشرك، شركه أكبر، مناقض للإسلام كل المناقضة، مخرج لفاعله من الملة)!
بطلان هذه «الضوابط» يظهر عند أدنى تأمل: فالسائل لا يتوجه بمسألته إلا إلى من يعتقد أنه يسمعه، أو يبلغه نداؤه، وأنه قادر على إجابة السؤال، وتحقيق المطلوب، وإلا كان، ضرورة، مختل العقل، لا يستحق خطاب التكليف!
والبحث إنما يكون في معتقد الداعي، فإذا اعتقد في من يدعوه معتقداً شركياً، مناقضا لقطعيات الإسلام، كان دعاؤه دعاء عبادة، وكان شركاً، وكفراً، ينقل عن الملة، وإلا فلا.
فمثلاً إذا دعى داع بما تعتقد أنت أنه أمر «لا يقدر عليه إلا الله» فلا بد من سؤاله عن ذلك، ولن يخرج جوابه عن واحدة مما يلي:
(1) أن هذا الأمر حقاً «لا يقدر عليه إلا الله»، فليزمه حينئذ أن يقول أن المدعو هو الله، أو أن الله اتحد به، أو حل فيه، أو أنه «بعض» الله، أو أنه صورة خيالية لا حقيقة لها وإنما خلقها الله في إدراك الناظرين، أو نحو ذلك من الأقوال التي قيل مثلها في المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله عليه وعلى والدته. وكل هذا شرك وكفر اعتقادي من حيث هو معتقد، فهذا الداعي قد اتخذ المدعو إلاهاً، لأن المدعو هو بزعمه «عين» الله، أو «بعض» الله، أو تجسد الله، أو صورة الله، أو من حل فيه الله، أو ما شاكل، والدعاد حينذذ ضرورة دعاء عبادة، وهو بدعائه هذا عابد لهذا المدعو. هذه المقولة، وهي مقولة كفرية بذاتها، نادرة جداً، والقائلون بها يصرحون بها ابتداءً (كالنصارى المثلثين) فلا يحتاج الأمر معهم عادة إلى كبير جدال.
(2) أن يقول أن هذا الأمر المطلوب مقدور لغير الله، وهذا متصور في أحوال منها:
(أ) أن المدعو له قدرة تضاهي أو تقارب قدرة الله، ولو فقط في هذا الأمر المخصوص أو تلك الجزئية المعينة. فهذا الداعي بهذا المعتقد قد جعل المدعو نداً لله، ومساوياً له، ولو في جزئية واحدة أو أمر واحد. فهذا شرك وكفر اعتقادي من حيث هو معتقد، فهذا الداعي قد اتخذ المدعو إلاهاً من دون الله، والدعاد حينذذ ضرورة دعاء عبادة، وهو بدعائه هذا عابد للمدعو من دون الله.
ونسارع فنقول أن هذه مقولة كفرية بذاتها، ولا مخرج منها بالقول أن تلك «القدرة» المساوية أو المضاهية أو المقاربة لقدرة الله، مخلوقة لله، فذلك مناقض لنصوص الشرع القطعية الصريحة، وهو قبل ذلك في ذاته محال عقلاً لأنه يترتب عليه ضرورة أن الله جل وعلا، ليس هو الحق، الأول، القيوم الغني بذاته، واجب الوجود القديم، وهو كذلك في نفس الوقت، فيكون التناقض، وينهدم العقل، وتبطل الشرائع، عياذاً بالله: هذا كفر صريح، وهو شرك صريح أيضاً لأن كل شيء يجوز أن يكون إلاهاً في نفس الوقت، في مسلسل لا ينتهي من التناقضات والمحالات.
(ب) أن المدعو له قدرة على ذلك الأمر، فلا يرد عليه قولنا: هذا أمر «لا يقدر عليه إلا الله»، وهي لا تضاهي قدرة الله، ولكنها ذاتية فيه ليست من خلق الله ولا تقديره، فهو إذاً مستقل في الفعل عن الله، لا يحتاج إلى إذن الله ومشيئته، كمعتقد قريش قديماً، وأكثر الأفارقة الوثنيين الآن في الجن لأنهم من عنصر إلاهي، وإن كانوا من «قبيلة» غير «قبيلة» الله، تعالى وتقدس، وفي الملائكة، وهؤلاء من نفس القبيلة، ولعله أبناء الله وبناته، جل جلاله وسمى مقامه فوق هذه الأقاويل الخبيثة والظنون الشنيعة.
فهذا أيضاً شرك وكفر اعتقادي من حيث هو معتقد، فهذا الداعي قد اتخذ المدعو إلاهاً من دون الله، والدعاد حينذذ ضرورة دعاء عبادة، وهو بدعائه هذا عابد للمدعو من دون الله.
(ج) أن المدعو له قدرة على ذلك الأمر، فلا يرد عليه قولنا: هذا أمر «لا يقدر عليه إلا الله»، وهي لا تضاهي قدرة الله، ولكنها ليست ذاتية فيه بل هو مخلوق لله، وقدرته تلك من خلق الله وتقديره، ولا يستطيع استخدامها إلا بإذن الله ومشيئته، فهو إذاً ليس مستقلاً في الفعل عن الله، وإنما يفعل بإقدار الله له، وبإذن الله ومشيئته.
فغاية هذا أن يكون:
(1) مخطئاً في نسبة تلك القدرة إلى المدعو، وهي في حقيقة الأمر ليست كذلك. هذا قد يكون خطأً أو تخريفاً، ولكنه ليس بالضرورة شركاً. نعم: (كل شرك هو خرافة وباطل، وليس كل خرافة وباطل شركاً). فإذا افهم هذا وعلم، وبين له أنه على خرافة وخطأ، فإما أن يرتدع ريتوقف عن ذلك الدعاء، أو يلحق ضرورة بأحد الأنواع السابقة أو الاحقة.
(2) أو مخطئاً في التعبير، كمن يقول: (يا سيدي رسول الله اغفرلي)، أو (يا سيدي عبد القادر ارحمني)، وهو إنما يقصد: (يا سيدي رسول الله: ادع لي بالمغفرة، أو استغفر لي)، (يا سيدي عبدالقادر ادع لي بالرحمة).
وقد يقول قائل سريعاً: كيف ينادى الغائب أو الميت؟! أليس هذا معتقد شركي؟! فنقول: طبعاً لا. والحي الحاضر إنما يسمع بما خلقه الله فيه من أدوات وقدرات على السمع، وبإذن الله ومشيئته، لا بقدرته الذاتية، ولا على وجه الاستقلال. وسماع الميت والبعيد بإقدار الله له ليس على الله بعزيز، إلا أنه خلاف العادة، ويحتاج إلى برهان من الحس والعقل (الهاتف مثلاً) أو من الشرع، فالقول به من غير برهان على وجوده باطل وتخريف، وليس شركاً: (كل شرك هو خرافة وباطل، وليس كل خرافة وباطل شركاً).
وبعض الناس يعتقد أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بوفاته، وتحرر روحه من الجسد، قد انتقل إلى حالة أكمل وأقوى، فأصبح يسمع من بعيد، ويتصرف بما لم يكن مقتدراً عليه حال الحياة. كل ذلك بتمكين الله له، وبما أعطاه من قوى خاصة، ومكانة متميزة، وهو بذلك لم يجاوز مراتب المخلوقين، فما زال عبداً مخلوقاً مربوباً، لا يملك لنفسه ضراً، ولا نفعاً، إلا أن يشاء الله. فهذا ونحوه، على هذه الصورة من التعميم المفرط، معتقد باطل، وكذب بذاته، غير مطابق للواقع، وإن كان لا يخرج من الملة، وليس فيه انتقاص من قدرة الله، أو تفرده بالخلق، والتصرف، والتدبير. فالدعاء يكون في مثل هذا دعاء مسألة محرم جاء على صورة غير شرعية خلافاً للأحكام الشرعية.
فليس كون هذا النوع من دعاء المسألة ليس شركاً، يعني أنه جائز شرعاً، وذلك لأن مجرد اعتقاد هذا ومثله إثم عظيم، ومعصية كبيرة، لأنه قول على الله بغير علم، حرمه الله أشد التحريم، قال تعالى: }قل: إنما حرم ربي الفواحشما ظهر منها، وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون{، (الأعراف؛ 7:33). وهو دعوى بلا برهان، وما كان كذلك فهو باطل وكذب، قال تعالى: }قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!{. ويتضاعف الإثم ويتغلظ إذا تدين الإنسان بهذا الكذب، والتخريف القبيح، فيضيف جريمة «الابتداع» في الدين، إلى جريمة القول على الله بغير علم!
وقد يحتج بعض الجهلة المخرفين لمعتقدهم ذلك بما ورد من حياته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحياة غيره من الأنبياء، في قبورهم حياة برزخية سامية، يُصَلّون فيها ويتعبّدون. وبملاقاته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إخوانه من الأنبياء في السماوات العلى، ليلة المعراج، وبما ورد من عرض أعمال أمته عليه فيستغفر لما قد يرى من تقصيرهم وذنوبهم، ومن وصول السلام إليه من أقاصي الدنيا، بسماعه أو بتبليغ الملائكة له، إلى غير ذلك من النصوص، على فرض ثبوتها وصحتها. وأي شئ في هذه النصوص يدل على أنه يصله نداء المستغيث من حريق، أو الهارب من وحش كاسر، أو أنه، على فرض وصول النداء إليه، يستطيع إطفاء نار، أو انتزاع إنسان من فك تمساح؟! }هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!{، ولكنه الخيال المريض، والفكر الهابط المنحط السخيف، ومضاهاة المشركين، وتقليد النصارى الضالين الذين أبوا الرضا بمرتبة نبيهم، مرتبة الرسالة والنبوة، وهي وايم الله مرتبة رفيعة سامية، بل هي من مراتب بني آدم الأرفع والأسمى، فغلوا به إلى مراتب الألوهية، فأبطلوا عقولهم، وسفَّهوا أحلامهم، وكفروا، وحبطت أعمالهم!
وهذا، فضلاً عن ذلك، رد لخبر الله ورسوله، ومعصية لهما، وإعراض عن نهيهما وتحذيرهما من الغلو في النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما هو مفصل في الفصل التالي.
أما إذا اعتقد شخص أن النور المحمدي قديم أزلي، أو أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في لحظة من حياته، أو بعد مماته، قد انخلع عن البشرية، ولحق بالألوهية، بحلول الله، أو «بعض» الله، أو نور الله فيه، أو اتحاده معه. أو أنه يسمع ويجيب بقوته الذاتية، لا بتقدير الله وتمكينه، أو أنه يشفع عند الله بغير استئذان، أو يجير على الله، أو غير ذلك من المعتقدات الكفرية، فكل ذلك معتقدات شركية كفرية يخرج مجرد اعتقادها من الملة، ولو لم يرتبط به عمل. ومن اعتقد هذا أو نحوه في النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد جعله، لا محالة، مع الله إله آخر. والنداء، والدعاء، والاستغاثة، والاستعاذة، ونحوها في مثل هذه الأحوال كله دعاء عبادة، أي عبادة شركية كفرية تخرج من الملة.
ولعل المناقشة الفائتة، على اختصارها تبين أن جملة: (الدعاء لا يكون دعاء عبادة إلا إذا سأل السائل من غير الله «ما لا يقدر عليه إلا الله»)، تحتاج إلي شرح وبيان، وتقسيم وتفريع، وإلا وقعت قليلة الجدوى، ضئيلة المحصول، وهذا لا يجوز التساهل فيه في قضايا الإسلام والكفر، والتوحيد والشرك: هذه قضايا (حياة أو موت)، وليست أسمار مجالس، أو «سواليف» منتديات.
أما الجملة الآخرى: (إذا كان المسؤول حياً، حاضراً، فلا بأس، وهو «دعاء مسألة»، وإن كان غائباً، أو ميتاً، فهو «دعاء عبادة» وفاعله مشرك، شركه أكبر، مناقض للإسلام كل المناقضة، مخرج لفاعله من الملة)، فهي سخيفة بمرة، ربما صلحت للنكتة والدعابة، أما قضايا الإسلام والكفر، فلا، وألف لا!!
والجمل السابقة على غموضها أو سخافتها، لا تصلح ضابطاً، لأنها ليست حاصرة. فثمة أنواع من دعاء العبادة لا تندرج تحتها، فعلى سبيل المثال، لا الحصر:
(1) التوجه بالدعاء إلى العقول أو الأرواح الفلكية، التي تقوم هي برفعه إلى الله تبارك وتعالى، لأنه متعال متكبر بعيد، لا يخاطب مباشرة، بل لا بد من واسطة بينه وبين الداعي، مع أن القرار النهائي قراره، والقدرة قدرته. هذا هو معتقد جمهور الصابئة عبدة النجوم، وهو معتقد باطل، وهو كفر صريح.، ولكنه لا يندرج تحت أحد الجملتين السابقتين، لا بتكلف، ولا بغيره، مع أن من اعتقده قد اتخذ العقول أو الأرواح الفلكية آلهة من دون الله.
(2) التوجه بالدعاء إلى العقول أو الأرواح الفلكية، التي تستجيب هي بقدرتها الذاتية. أما الله، سبحانه وتعالى، فهو لا يعلم بذلك، لأنه إنما يعلم الكليات، أو يعلم ذاته فقط. فهنا لا يصل الدعاء إلى الله، جل جلاله أصلاً، تعالى الله وتقدس عن هذا الهراء. وهذا هو معتقد فلاسفة الصابئة، عبدة النجوم. وهذا كذلك لا يندرج تحت أحد الجملتين السابقتين.
فكل دعاء هو لا محالة دعاء مسألة، ومنه نوع خاص هو دعاء العبادة وهو التوجه بالمسألة إلى من يعتقد فيه الألوهية، بأي معنى من المعاني أو اعتبار من الاعتبارات التي فصلناها في الأبواب السابقة، وأجملناها قريباً فيما سبق من هذا الباب.
أو بلفظ آخر لا يكون الدعاء «دعاء عبادة» إلا إذا اعتقد في المدعو بعض صفات الألوهية، كما فصلناه أعلاه، وما سوى ذلك فهو «دعاء مسألة»، سواء كان المدعو قادراً في الحقيقة على الاستجابة أم لا، مريداً للإجابة أم لا، حاضراً أو غائباً، حياً أو ميتاً، ولياً صالحاً من أولياء الله، أو مجرماً فاسقاً من أعداء الله!
وليس كل دعاء مسأله جائز شرعاً، بل منه ماهو محرم شديد التحريم، ومنه ما هو شرك عملي، لمشابهة ظاهر الفعل لأفعال المشركين.
وكثير من مباحث هذا الموضوع التفصيلية تقع في باب «التوسل»، وربما قضايا «التبرك»، فلعلنا نفردها في رسالة مستقلة، بإذن الله، فليست هي بتلك الدرجة من الأهمية التي توجب أن تدرج في هذا الكتاب، مهما احتج على ذلك وصاح المهووسون من أتباع الدعوة الوهابية، وهي علاوة على ذلك كثيرة التفاصيل والدقائق الفقهية، تحتاج إلى تصنيف مستقل.
u فصل: التحذير من الغلو فيه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم
v قال تعالى: }قل: إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد{، (الكهف؛ 18:110)، (فصلت؛ 41:6).
v وقال تقدست أسماؤه: }وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد، أفإن مت فهم الخالدون؟!{، (الأنبياء؛ 21:34).
v وقال معلماً نبيه:: }قل: سبحان ربي! هل كنت إلا بشراً رسولاً{، (الإسراء؛ 17:93).
v وقال آمراً نبيه: }قل: لا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم إني ملك؛ إن أتبع إلا ما يوحى إلي{، (الأنعام؛ 6:50).
v وقال: }قل: لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون{، (الأعراف؛ 7:188)
v قال البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان قال سمعت الزهري يقول أخبرني عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس سمع عمر رضي الله عنهم يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله»، حديث صحيح، رواه البخاري وأحمد والدارمي من طرق أخرى صحيحة مطولاً، ومختصراً، وهو من أصح أحاديث الدنيا!
v عن عبدالله بن الشخير، رضي الله عنه، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: (أنت سيدنا)، فقال: «قولوا السيد الله تبارك وتعالى»، قلنا: (وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً)، فقال: «قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» حديث صحيح أخرجه أبو داود، وأحمد، والبخاري في «الأدب المفرد»، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»، وهذا هو لفظ أبو داود.
v وعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رجلاً قال: (يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس! عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان: أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله، عز وجل». هذا حديث صحيح، أخرجه أحمد، النسائي في «الكبري»، والبخاري في «الأدب»، وعبد بن حميد في «المنتخب» بإسانيد صحاح.
v وأخرج الإمام الحاكم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: [كنا عند علي بن الحسين (وهو: زين العابدين بن الحسين بن علي، رضوان الله وسلامه عليهم) فجاء قوم من الكوفيين، فقال علي بن الحسين: يا أهل العراق: أحبونا حب الإسلام! سمعت أبي يقول: قال رسول الله: «يا أيها الناس: لا ترفعوني فوق قدري! فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً». فذكرته (المتكلم هنا هو يحيى بن سعيد الأنصاري) لسعيد بن المسيب، فقال: (وبعد ما اتخذه نبياً!)]. قال الحاكم: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي، والألباني، وهو كما قالوا.
v وأخرج ابن ماجه، بإسناد في غاية الصحة، عن عبد الله بن بسر قال أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه يأكل، فقال أعرابي: (ما هذه الجلسة؟!)، فقال: «إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً».
v كما أخرج ابن ماجه، بإسناد صحيح، عن أبي مسعود قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه، فجعل ترعد فرائصه، فقال له: «هون عليك! فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد».
لأن التوحيد لا يتم ولا يحفظ ولا يحصن إلا بإجتناب جميع الطرق المفضية إلى الشرك، بما في ذلك حمايته بالتأدب والتحفظ في الأقوال، وتجنب المكروه من التعبيرات والألفاظ، ولو لم يكن حراماً، تأدباً مع الله، وتعظيماً لجناب الألوهية المقدس، حتى لا تزل القدم، ويغلو الناس في «العبد» فيجعلوه «رباً»، كما فعلت النصارى في المسيح بن مريم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى والدته، فضلوا وهلكوا.
ومن ناحية أخرى فإن الشرع كامل، والحمد لله، وما ثمة من ذريعتة إلا سدها فعلاً، ولا مكروهاً إلا بينه صراحة، وكل ذلك قد كان في عهد خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، فلم تعد ثمة حجة لما يسميه بعض المفتونين: (سد الذرائع)، حتى ولو كانوا متبعين في ذلك لزلات بعض الأكابر، لأن زلات العلماء لا يجوز اتباعها، بل الواجب كشفها ورفضها، مع الاستغفار للعلماء الذين زلت قدمهم بها.
فلا حاجة إذاً إلى المواقف المهووسة من (الآثار النبوية)، التي أصبح هدمها «هواية» خبيثة لآل سعود الفجار الأشرار، ولا حاجة إلى المباحث المتنطعة الشاطحة عن (التبرك) وحدوده، ولا حاجة إلى (الهستيريا) والتشنج السنوي المعتاد عندما يحين موعد (المولد النبوي) الشريف.
كل ذلك لا حاجة إليه إذ قد أبان أبو القاسم، محمد بن عبد الله، خاتمة أنبياء ورسل الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، ماهية الغلو الخطير: ألا وهو الخروج به من مرتبة (العبودية) إلى درجة (الألوهية)، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان، وأبان الكتاب العزيز، والسنة المطهرة ماهية (الألوهية) هذه، كما أشبعنها تفصيلاً وبياناً في كتابنا هذا، هذه (الألوهية) التي لا تليق إلا لله، وليست هي لمحمد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، ولا لعيسى بن مريم. مسيح الله، عليه وعلى والدته صلوات وتسليمات وتبريكات من الله.
u فصل: النذر عبادة
v قال الله تعالى: }وماأنفقتم من نفقة، أو نذرتم من نذر، فإن الله يعلمه، وما للظالمين من أنصار{، (البقرة؛ 2:35).
v وقال تعالى: }إذ قالت امرأت عمران: ربي إني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم{، (آل عمران؛ 3:35).
v وقال تعالى: }وليوفوا نذورهم{، (الحج؛ 22:29).
v وقال تعالى: }وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، فقالوا: هذا لله، بزعمهم، وهذا لشركائنا! فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم، ساء ما يحكمون{، (الأنعام؛ 6:136).
v وقال تعالى: }ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم، تالله لتسئلن عما كنتم تفترون{، (النحل؛ 16:56).
v وقال، تقدست أسماؤه، مثنياً على الموفين بالنذر: }يوفون بالنذر، ويخافون يوماً كان شره مستطيراً{، (الإنسان؛ 76:7).
v وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»، حديث صحيح، أخرجه البخاري.
v وعن ثابت بن الضحاك، رضي الله عنه، قال: [نذر رجل على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ينحر إبلا ببوانة؛ فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة؟! فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟!»، قالوا: لا، قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟!»، قالوا: لا، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك! فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم»]، حديث صحيح أخرجه أبوداود.
أما النذر لغير الله فهو معصية وشرك عملى، وهو باطل لا ينعقد أصلاً، وهو حرام لا يجوز الوفاء به لقوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه».
u فصل: تحريم الذبح لغير الله
v قال تعالى: }قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين v لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين{، (الأنعام؛ 6:161-162)، نسكي، أي: ذبحي.
v وقال سبحانه وتعالى: }فصل لربك وانحر{، (الكوثر؛ 108:2).
v عن على بن أبي طالب ــ رضى الله عنه ــ قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لعن الله من ذبح لغير الله»، حديث صحيح، أخرجه مسلم.
صح من هذه الأدلة أن الذبح لا يكون إلا لله، وأن من ذبح لغير الله فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، فهو يستحق اللعن، والطرد من رحمة الله، إلا أن يتوب إلى الله، فمن تاب تاب الله عليه: «لعن الله من ذبح لغير الله».
والأصل أن الله حرم ذبح البهائم، أو قتلها، أو صيدها، إلا في الأحوال المنصوص عليها شرعاً، وكذلك حرم تعذيبها مطلقاً. من ذلك قتل الضار من الحيوانات، كالجرذان والحشرات والكواسر، وما شابه، من غير تعذيب أو تحريق، دفعاً لأذاها. ومن ذلك ذبح البهائم المباحة، والصيد، بقصد الاستفادة من اللحوم، والجلود أكلاً، وضيافة، وتجارة.
أما إراقة الدم على وجه التعبد فلا يكون في الشريعة الإسلامية إلا أضحية، أو هدياً، أو عقيقة، أو وفاءً بنذر طاعة، كمن نذر إن شفى الله مريضه أن ينحر كذا من الإبل، ويطعمها الفقراء، لأن التصدق باللحم من القربات المشروعة.
أما الإهلال لغير الله، والذبح لغير الله قد يأخذ صوراً متعددة، منها:
ــ النحر لله في مكان فيه، أو كان فيه، وثن يعبد، أو مكان فيه، أو كان فيه، عيد من أعياد الجاهلية لما صح وثبت عن ثابت بن الضحاك الأنصاري، رضي الله عنه، قال: [نذر رجل على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ينحر إبلا ببوانة؛ فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة؟! فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟!»، قالوا: (لا)، قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟!»، قالوا:(لا)، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك! فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم»].
ــ النحر عند القبر تكريماً للميت، أو لغير ذلك من الدوافع، فقد أخرج أبو داود بإسناده عن الإمام عبد الرزاق الصنعاني: أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا عقر في الإسلام». قال عبد الرزاق: (كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة). وهذا إسناد صحيح، غاية في الصحة، مسلسل بالأئمة الثقات الأثبات.
ــ وشر من ذلك النحر بقصد تكريم الضيف أو زائر البلد من الملوك والرؤساء بعملية النحر نفسها، وليس لقرى الضيف بلحم الذبيحة. وقد كانت هذه العادة الخبيثة الهمجية منتشرة في بخارى وسمرقند، وغيرها من بلاد «ما وراء النهر» في العصور القديمة، وأفتى كثير من فقهاء الأحناف هناك بأنها شرك وردة!
وكنا نحسب أن هذه العادات الشنيعة المنكرة، والممارسات البدائية المتخلفة قد انقرضت من العالم، حتى رأينا بأنفسنا أهل الكويت يفعلون ذلك في شوارعهم لزيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب «مجرم الحرب»، الإرهابي القاتل، الحربي الكافر، عدو الله ورسوله، فإنا لله، وإنا إليه راجعون!
ــ النحر على وجه التفاخر، كـ «معاقرة الأعراب» التي كان زعماء العرب يتعاطونها في الجاهلية: ينحر أحدهم عددا من النعم، فينحر منافسه، بقصد إظهار الوجاهة عدداً أكبر، وهكذا دواليك في منافسة خرقاء حمقاء. وقد ورد النهي النبوي الشريف عن هذه السفاهة. وقد وقعت معاقرة كهذه في زمن أمير المؤمنين، إمام الهدى، علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، فأرسل رسولا ينادي: (لا يأكلن أحد من الذبائح، فإنها مما أهل لغير الله به)، فأطرح الناس اللحم ولم يأكلوه!
ــ الذبح للجن، اتقاءً لشرهم، ودفعاً لأذاهم، أو لفك السحر، وغير ذلك من الطوام والمخازي. ولا يبعد أن يكون عند أكثر هؤلاء خلل جسيم في الاعتقاد، يتناقض مع الإسلام، ويخرج من الملة.
أما التسمية على الذبيحة، أي ذبيحة، عند ذبحها، بغير اسم الله، فهو موضوع آخر، وباب مختلف، ولا يكاد يصدر من أحد إلا مع اعتقاد ألوهية من ذكر اسمه عند الذبح، وهذا شرك اعتقادي يخرج من الملة على كل حال.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق