الواقع التاريخي لشرك العرب

بـــاب
الواقع التاريخي لشرك العرب

u فصل: حقيقة شرك العرب
والآن نعود إلى بسط الكلام عن حقيقة شرك العرب، فبالرغم من نسبة العرب العدنانية ــ وقريشا بالأخص ـ كما أسلفنا، أكثر الخلق، والتصرف في الكون إلى الله تبارك وتعالى، بالرغم من ذلك فقد كانوا ينسبون بعض ذلك إلى غيره، كنسبة التحكم في الموت، والتقدير إلى «مناة»، إلهة الموت (المنية)، والمتحكمة في مقادير البشر، فضلاً عن نسبتهم هؤلاء الأغيار إلى الله نسبة قرابة وتولد، أي مشاركة في «الجوهر الإلهي»، أو في «الجنس الإلاهي»، إو في «النسب الإلاهي»، بمعنى أو آخر، كما جاءت بذلك النصوص الثابتة الصحيحة:
v فقد قال البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم لقوله: } يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي{، إلى قوله: }عما يعملون{،} بخساً{، نقصاً، قال مجاهد: }وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً{، قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم بنات سروات الجن! قال الله: }ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون{، ستُحْضَر للحساب].
v وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم أشار بهذه الترجمة إلى اثبات وجود الجن وإلى كونهم مكلفين ... إلخ) في كلام طويل، إلى قوله: (قوله: (وقال مجاهد وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا الخ)) وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد به وفيه فقال أبو بكر: (فمن أمهاتهم؟!)، قالوا: (بنات سروات الجن ...الخ)، وفيه قال علمت الجن أنهم سيحضرون للحساب قلت وهذا الكلام الأخير هو المتعلق بالترجمة وسروات بفتح المهملة والراء جمع سرية بتخفيف الراء أي شريفة].
v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [... قال أبو عبيدة في قوله تعالى ان يدعون من دونه إلا إناثا: (الا الموات حجراً أو مدراً أو ما أشبه ذلك والمراد بالموات ضد الحيوان)، وقال غيره: (قيل لها إناث لأنهم سموها مناة واللات والعزى وإساف ونائلة ونحو ذلك)، وعن الحسن البصري: لم يكن حي من أحياء العرب الا ولهم صنم يعبدونه يسمى أنثى بني فلان! وسيأتي في الصافات حكاية عنهم أنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وفي رواية عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أبي بن كعب في هذه الآية قال مع كل صنم جنية، ورواته ثقات].
v وقال البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: باب تفسير سورة الصافات. وقال مجاهد: }وبين الجنة نسبا{، قال كفار قريش: (الملائكة بنات الله وأمهاتهم بنات سروات الجن!)
v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله باب وقالوا أتخذ الله ولدا سبحانه كذا للجميع وهي قراءة الجمهور، وقرأ بن عامر: قالوا بحذف الواو، واتفقوا على أن الآية نزلت فيمن زعم أن لله ولداً من يهود خيبر ونصارى نجران ومن قال من مشركي العرب الملائكة بنات الله فرد الله تعالى عليهم]. لاحظ نص الحافظ على إجماعهم: (واتفقوا ...)
v وفي «تفسير الجلالين»: ونزل في النضر بن الحارث وجماعته: }ومن الناس من يجادل في الله بغير علم{، قالوا: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا!
v وفي «تفسير الجلالين»: }وجعلوا له من عباده جزءً{، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، لأن الولد جزء من الوالد، والملائكة من عباده تعالى، }إن الإنسان {، القائل ما تقدم }لكفور مبين {، بين ظاهر الكفر!
v وفي «تفسير الجلالين»: }إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى{، حيث قالوا هم بنات الله!
v أما قولهما في «تفسير الجلالين»: }وجعلوا{، أي المشركون، }بينه{، تعالى، }وبين الجنة{ أي الملائكة لاجتنانهم عن الأبصار }نسبا{، بقولهم إنها بنات الله. فهو خطأ، لأن العرب تفرق بين الجن والملائكة، وإنما عنوا أنه، تعالى وتقدس، صاهر إلى سروات الجن فولدن له الملائكة، كما سبق مراراً!
v وجاء في «ضعفاء العقيلي»: [حدثنا أحمد بن داود حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو سعد الصغاني قال حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي عالية عن أبي، رضي الله تعالى عنه، أن المشركين قالوا للنبي، صلى الله عليه وسلم: (انسب لنا ربك!)، فنزلت قل هو الله أحد]، وهو في «التاريخ الكبير»، وفي «التاريخ الصغير (الأوسط)»
v وجاء في «ضعفاء العقيلي»: [حدثناه محمد بن إسماعيل قال حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن بن العالية نحوه]، يعني مرسلاً، ثم عقب العقيلي قائلاً: (وهذا أولى!)
v وهو في «تاريخ بغداد» مطولاً مجوداً: [أخبرني أبو الحسين أحمد بن عمر بن على القاضى بدرزيجان حدثنا أحمد بن أبى طالب الكاتب حدثنا محمد بن جرير الطبري حدثني أحمد بن منيع المروروزى حدثنا أبو سعد الصاغاني حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى بن كعب قال قال المشركون للنبي، صلى الله عليه وسلم: (انسب لنا ربك!)، فانزل الله تعالى: }قل هو الله أحد v الله الصمد (قال الصمد الذي:) v لم يلد ولم يولد (لأنه ليس شيء يولد الا وسيموت وان الله تعالى لا يموت ولا يورث) v ولم يكن له كفوا أحد{، لم يكن له شبه ولا عدل وليس كمثله شيء]، وعقَّب الخطيب قائلاً: (رواه عبد الله بن أبى جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر في إسناده أبيا ولا أبا العالية)
قلت: فالإسناد صحيح، لا شك في صحته، مرسلاً، ولكن في وصله بواسطة أبي بن كعب نظر بسبب أبي سعد محمد بن ميسر الصغاني الجعفي البلخي، ويقال له محمد بن أبي زكريا. وأبو سعد هذا فيه اختلاف شديد، وأكثر ما قيل فيه لمذهبه فقد كان مرجئاً.
والحق الذي حررناه في الملحق أن الرجل صدوق، إلا أنه كان ضريراً، يعتمد على ذاكرته، وكان كثير الحديث جداً، فلا عجب أن يقع له بعض الاضطراب، لا سيما أنه لم يكن بالحافظ المتقن، فلا تقوم به إذاً حجة، إذا انفرد.
ولكن جاءت المتابعة المستقلة التالية:
v كما هي في «شعب الإيمان»، (ج: 2 ص: 508): [أخبرنا أبو الحسن علي بن عبدالله البيهقي حدثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي حدثنا أبو جعفر الحضرمي حدثنا شريح بن يونس حدثنا إسماعيل بن مجالد عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال قالوا يا رسول الله أنسب لنا ربك فنزل قل هو الله أحد إلى آخرها]
v وجاء في «تفسير القرطبي»، (ج: 2 ص: 190): [قوله تعالى وإلهكم إله واحد لما حذر تعالى من كتمان الحق بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد ووصل ذلك بذكر البرهان وعلم طريق النطر وهو الفكر في عجائب الصنع ليعلم أنه لابد له من فاعل لا يشبهه شئ. قال ابن عباس رضي الله عنه قالت كفار قريش: (يا محمد أنسب لنا ربك!)، فأنزل الله تعالى الإخلاص]
فلعل الحديث يصح بمجموع هاتين الطريقين المستقلتين، وما ذكره المفسرون منسوباً لابن عباس، لا سيما أون متنه في غاية النظافة والمطابقة للواقع التاريخي، والله أعلم وأحكم.
فقريش إذاً تعتقد:
(1) أن (الملائكة بنات الله وأمهاتهم بنات سروات الجن!)، ولعل «اللات» واحدة من (بنات سروات الجن) هؤلاء، كما سيأتي قريباً في الفصل المخصص لها ، والمعنون: (ما هي حقيقة «اللات»؟!)!
(2) أن لله نسباً، وأنه ينتمي إلى قبيلة كثيرة الأفراد، لذلك طالبت قريش النبي بإيضاح معتقده في «ماهية» الله، فنزلت سورة الإخلاص، التي ثبت أنها تعدل ثلث القرآن، ولا عجب: فـ«النسب» الإلهي أهل لتلك المكانة الرفيعة!
فلا صحة مطلقاً، إذاً، لما يقال أنهم لم يكن لديهم شرك في «الذات»، أي في «النوع الإلاهي» وأنه يجوز فيه التعدد، أو شرك في «الاسماء والصفات»، أو شرك في «الربوبية»، بل هذا هو عين شركهم وحقيقته، لا غير، وعليه ترتب الإشراك في العبادة والحكم والتشريع، وليس العكس، كما زلت القدم بالإمام شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية تلك الزلة الشنعاء.
فليتعظ كل مسلم، بل كل عاقل من مثل هذا، وليعود نفسه على المراجعة والتدقيق، والنقد والتمحيص، مع الرد إلى الله ورسوله، ولا تهولنه أقوال الرجال: فإن الرجال يُعْرَفون بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال، وإنما يعرف الحق بالبرهان.
ومن أراد التوسع وإشباع المطالعة في تفاصيل عقائد العرب، وأساطيرهم، وخرافاتهم، وأصنامهم، وما إلى ذلك فليرجع إلى المجلد السادس من كتاب «تاريخ العرب» للدكتور جواد علي، فقد خصصه بكامله لذلك، فجمع وأوعى. وأكثر ذلك لا يهمنا، إلا أنه من المهم معرفة كيف تسرب الشرك إلى عرب الشمال، أبناء إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما وعلى آلهما، بعد أن كانوا قروناً طويلة على التوحيد. هذا ما ننعالجه في الفصول المقبلة بإذن الله.
u فصل: ما هي حقيقة «اللات»؟!
لا شك أن ما ورد بصحاح الأسانيد عن ترجمان القرآن، الحبر البحر، الإمام عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما، وعن الثقاة من تلاميذه، هو أول ما ينبغي تناوله بالفحص والتدقيق، فمن ذلك:
v ما أخرجه البخاري بإسناد غاية في الصحة عن ابن عباس قال: [كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاج]، وأخرجه ابن جرير بسنده عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: }أفرأيتم الات والعزى{، (النجم؛ 53:19) أنه قال: [كان يلتّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره]، وأخرج ابن أبي حاتم عنه بلفظ: [كان يلت السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه]، وأخرج سعيد بن منصور لفظاً آخر هو: [كان يلت لهم السويق، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات]،
هذه، وغيرها من الروايات المشابهة، وهي لا تخرج عن هذا المعنى، كلها موقوفة، ليس منها حرف واحد مرفوع إلى النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فليست هي من الوحي، ولا حجة فيها، بل ما هي إلا خرافات عربية، وأساطير شعبية، كما سنقيم عليه البرهان القاطع قريباً، إن شاء الله تعالى.
نعم: الإمام الحبر البحر عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، هو والله ترجمان القرآن، وهو والله من آل البيت الطاهر، الذين حرمت عليهم الصدقة، تكريماً وتنزيهاً، وهو والله الإمام الثبت الحجة، والثقة الصادق المأمون، ولكنه ما قال قط أنه شهد هذا الرجل «اللات» الأسطوري، ولا شرب أو أكل من ذلك السويق العجيب الخرافي بنفسه. ولا هو زعم أن مشيخته من كبار الصحابة، ذوي الأسنان العالية، حضر ذلك أو شهده أو طعم سويقه بأنفسهم. كما أنه لم يقف على قبره ذلك الرجل العجيب ولا سمعه ممن وقف على قبره.
فلم يبق إذاً إلا أنه مما تداولته العرب من أخبارها، ومروياتها وأساطيرها، وكل ذلك لا حجة فيه مطلقاً، لا سيما أن رواة ذلك إنما هم من العرب الأميين الجهلة، المشركين الفجرة، المتغطرسين العنصريين، المعروفين بالكبر، والتفاخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والتنابز بالألقاب، فلا نستبعد أن تكون هذه القصص إنما وضعت تشنيعاً على «ثقيف» التي كانت مختصة بـ«اللات»، معظمة لها، لإظهارها بمظر الغباوة والبلادة، من باب التشنيع، والتنابز بالألقاب.، تماما كقصة أساف ونائلة، التي شنعت العرب بها على قريش، كما سيأتي قريباً.
ولا يقولن قائل: إن ابن عباس، رضوان الله وسلامه عليهما، إنما روى القصة بأسلوب المصدق لها، الموقن بوقوعها. وهو إنما رواها كذلك لاعتقاده بصحتها. فنقولك هذا حق، وهو الله الصادق البر الأمين، ولكن من قال لكم أنه معصوم أن يقع فريسة كذب الكذابين، أو خداع المخادعين أو شهادة زور من فجرة كاذبين؟! بل إن خاتمة رسل الله، المعصوم بعصمة الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، لم يعصم من أن يخدع بكذب كاذب، أو يحكم بالظاهر بناءً على شهادة فاجر، أو حسن بيان محاجج ماهر:
v لما ثبت من قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»، كما هو في حديث غاية في الصحة، أخرجه البخاري، وهذا لفظه، والإمام مالك، وأحمد، وأبو داود وغيرهم بأسانيد غاية في الصحة، تقوم بها الحجة اليقينية القاطعة. وهذا الحديث يؤكد عدة حقائق في غاية الأهمية أن الباطل قد يحسن صاحبه عرضه، والتدليل عليه، حتى ينخدع به المعصوم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نفسه، فمن باب أولى قد يحصل بلا شك لمن هو دونه من أمثال ابن عباس، رضي الله عنهما.
وكنا قد نشرنا بعض هذا الفصل في أحد ساحات النقاش بالشبكة العنكبوتية الدولية، فاستشكله أحد المتعالمين من أدعياء «السلفية» مسائلاً كيف يكون الرد إذا (قال لك الزنادقة: ما دام أن نبيكم يخدع بكذب كاذب فما المانع أن تكون القصص التي قصها علينا خارج القرآن عن الأمم السابقة كلها انخدع فيها بكذب كاذب. وما دام أنه ينخدع بكذب الكاذبين وما دام أن الباطل قد يحسن عرضه له والتدليل عليه فما المانع أن يكون كثير مما حسنه لكم قد انخدع فيه ورآه حسنا).
نقبول: ما ذكر هذا المتعالم من كلام الزنادقة (ونرجو الله أن لا يكون هو منهم) فليس بجديد، فقد قالت قريش إنما يعلمه بشر، وذلك قبل تلفظه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، بذلك الحديث، وقالها المستشرقون، وقالوا أحياناً ما هو أفظع منها. ونبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثبتت بقواطع الأدلة، ومنها هذا القرآن المعجز (وهو بين أيدينا وليس هو مثل معجزات الأنبياء السابقين التي ذهبت أعيانها)، وشق له القمر، وتواتر عنه سقاء وإطعام المئين بماد أو طعام لا يكفي بضعة أنفس، وتواتر حنين الجذع إليه، وقلب مجرى التاريخ وحطَّم أتباعه أكبر الإمبراطوريات وأنشؤوا أكبر دولة في التاريخ في خلال جيل واحد فقط، وأخبر بمغيبات المستقبل: من انتصار الروم بعد هريمتهم المدمرة الساحقة، وموت عمه أبي لهب على الكفر، وامتناع اليهود عن تمني الموت، إلى هجمة المغول الشرسة على أمته، وتجمع اليهود في فلسطين حيث سيذبحون قريباً بإذن الله وتوفيقه، وغير ذلك من مئات الأدلة القاطعة.
فهو نبي الله، المبلغ عن الله البلاغ المعصوم، قبل أن يتلفظ حتى بكلمة واحدة خارج القرآن العظيم، عليه وعلى اله الصلاة والسلام.
ثم ثبت بالأدلة اليقينية القاطعة: من ضرورات الحس العقل، ونصوص القرآن أنه معصوم في قوله عن الكذب والخطأ، وفي فعله عن ارتكاب الحرام. وثبت كذلك أن الذكر الذي انزل عليه (والذكر هو القرآن والسنة كلاهما) محفوظ بحفظ الله.
ثم ثبت عنه ثبوتاً تقوم به الحجة أنه قال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»
فقلنا نحن: صدق الله، وصدق رسوله، فلا يتعارض تصديق النبي في مجلس قضاء لبعض من أحسن عرضة حجته، أو أجاد إخفاء كذبته، مع كونه معصوماً في التبليغ عن الله.
فيا لله، ويا للمسلمين: متى كان إخبار شخص مترافع في مجلس القضاء عن ملكيته لأرض زراعية، أو حتى لبعير أو حمار، إخباراً أو بلاغاً عن الله من هذا الشخص؟! ومتى كان تصديق النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، له أو تكذيبه إياه ذا علاقة بوحي الله أو بلاغاً عن الله؟!
يا لله، ويا للمسلمين: متى كان أبو القاسم، خاتمة أنبياء، المعصوم بعصمة الله، بأبي هو وأمي، يأخد البلاغ عن الله من أحد من الناس، حتى يرد أصلاً سؤال هذا «المتعالم الدعي» عندما قال: (فما المانع أن يكون كثير مما حسنه لكم قد انخدع فيه ورآه حسنا).
ثم قال «المتعالم الدعي»: [واعلم أن الحديث التي جئت به لكي تدلل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يخدع بكذب كاذب ليس كما فهمته أنت، بل الحديث خاص في باب القضاء كما هو صريح لفظه. وفرق بين القضاء وبين الإخبار عن الله عز وجل في مقام التشريع أو تفسير كتاب الله، وكلام ابن عباس من هذه البابة. والقاضي إنما يقضي بما تدل عليه البينات والأيمان، ولو كانت مخالفة للواقع إذ هو مطالب بما تدل عليه البينات أو يتقحمه الخصم من الأيمان.
بل ذهب أكثر العلماء إلى أن القاضي يقضي حسب البينات والأيمان ولو كان يعلم بنفسه أن الحق بخلاف ماقضى به. وانظر في المسألة بدائع الصنائع (7/7) والتمهيد (22/219) وروضة الطالبين (11/156) والمغني (9/53)]
فأقول ما شاء الله كان: ما علاقة خصوصية هذا بباب القضاء بالموضوع أصلا؟! القضية هي: هل يجوز أصلاً أن ينخدع النبى بكلام من أحسن عرض حجته، أو أجاد إخفاء كذبته، أم لا يجوز عليه أصلاً بوصفه نبياً معصوماً. وكون الحديث عن القضاء أشد وأنكى: فالانخداع بالكذب أو الحجة المزوقة في مجلس القضاء أفظع وأشنع: فها هنا حقوق مالية، وفروج، وأعراض، ودماء معرضة للخطر.
وها هو، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بأبي هو وأمي، قد أدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، وحذر وأنذر أن ليس بعده معصوم من تصديق من أحسن عرض حجته، أو أجاد إخفاء كذبته في مجلس قضاء ينظر فيه في حقوق مالية، وفروج، وأعراض، ودماء، فمن باب أولى إذاً جاز أن ينخدع الإمام الحجة الثقة المأمون، والحبر البحر، بخرافة اللات الذي كان يلت السويق للحجاج، إذ كانت العرب تتداولها في مجالسها، وتكثير من ترديدها. ولو طالبهم ابن عباس بالقسم لأقسموا أنهم سمعوا ذلك من أبائهم عن أجدادهم، فأي شئ يثبت بمثل هذا السماع، أو بمثل هذه الأيمان، وما شابه من القيل والقال؟!
أما كلام هذا (المتعالم) الفارغ عما ذهب إليه أكثر العلماء، بزعمه، أن القاضي يقضي حسب البينات والأيمان ولو كان يعلم بنفسه أن الحق بخلاف ماقضى به، فلا علاقة له بالموضوع، ولا محصول منه، وهو قضية شائكة، والقول كما ذكره هكذا لا محصول من ورائه، بل الأرجح أنه خطأ، والمسألة تحتاج على كل حال إلى تفصيل، وتفريع: فليست أقضية الحدود عامة، وأقضية الزنا والأعراض خاصة، من جنس الحكم في شاة أو بعير، وليس البينات كلها من نوع واحد أو درجة واحدة. ولكن من تسطح فكره، وتضائل عقله من أمثال ذلك «المتعالم الدعي» ربما ظن ذلك، وقد كان الأولى به، وبأمثاله من أدعياء السلفية، أولاً أن بطلب العلم طلباً جاداً.
فـ(حكم القاضي بعلمه) لا علاقة له بموضوعنا إلا إذا كان ذلك المتعالم الدعي يزعم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعلم كذب الشهود، إن كذبوا، ويكشف تزويق المزويقين، ولكنه فقط يحكم بالظاهر، ثم زاد فكذب علينا وقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»
بدلاً من أن يقول مثلاً(لقد عصمني الله أن يجوز علي كذبكم، أو تنطلي علي حسن مرافعتكم، ولكن سيكون بعدي من يخدع ويضلل، فإن حكم أحدهم بخلاف الحق فإنما هي قطعة من النار فلا تأخذوها)، أو نحو ذلك
فيلزمه إذا على مقدمته الكاذبة الخبيثة الملعونة أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كاذب مخادع: حاشاه ثم حاشاه. فحسب صاحبنا «المتعام الدعي» هذا الإلزام: وهو الكفر والشرك، قطعاً ولا جدال. فليته فكر، مرة وثانية وثالثة، قبل أن يفتح فاه بمثل ذلك اللغو الخطير.
نعم: هناك مخرج لا أحسبه يبعد كثيراً عن الكفر والزندقة، وهو رد هذا الحديث، وهذا لا يتأتى بطريقة مطردة منضبطة إلا برد كل أخبار الآحاد جملة، واللحاق ببعض غلاة المعتزلة، فيلزمه أن يرد رواية (اللاتُّ)، الذي كان يلت السويق للحجاج من باب أولى، وهي التي استمات صاحبنا في الدفاع عن صحتها، أي عن مطابقتها للواقع التاريخي، لأنها توافق ما اعتقده من الإفك والباطل.
أو أن يتناقض صاحبنا «المتعالم الدعي» فيصحح أحاديث ويرفض أخرى، بلا خطام أو زمام. والظاهر أن هذا هو مذهبه، ومذهب أمثاله من أدعياء «السلفية»، وإن أنكروا ذلك أشد الإنكار: فهم أصحاب هوى متلاعبون: ما وافق الهوى من الأحاديث صحيح، ومن القراءات متواتر، وما لم يكن على (المزاج) ففيه نظر، وكر وفر، واستشهاد بكلام (أكثر العلماء)، و(ما ذهب إليه الجمهور)، وأقوال (السلف الصالح)، ويصبح حينئذ (قول الصحابي حجة) بقدرة قادر، ناهيك بـ(سد الذرائع)، و(دفع أكبر المفسدتين، وتحصيل أعظم المصلحتين أو المنفعتين)، و(احتمال أدنى المصيبتين؟!)، (وقياس قطع اليد على استحلال الفرج)، وغير ذلك من الدجل الهراء.
ولعل ابن عباس إنما انخدع بهذه الأكذوبة الخرافية في محاولة لتفسير معنى لفظة «اللات»، بردها إلي المادة الثلاثية: (لتت)، ولو كان ذلك حقاً لكانت «اللاتّ» مشددة التاء، ولكانت مذكراً على عادة اللغة العربية في اسم الفاعل، على وزن (فاعل)، وهذا خلاف ما عليه إجماع الحجة من القراء، كما نص عليه الإمام الطبري:
v حيث جاء في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [القول في تأويل قوله تعالى: }أفرأيتم اللات والعزى v ومناة الثالثة الأخرى vألكم الذكر وله الأنثى v تلك إذا قسمة ضيزى{، يقول تعالى ذكره أفرأيتم أيها المشركون اللات، وهي من الله ألحقت فيه التاء فأنثت، كما قيل عمرو للذكر وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة، فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه فقالوا من الله اللات، ومن العزيز العزى، وزعموا أنهن بنات الله تعالى الله عما يقولون وافتروا فقال جل ثناؤه لهم أفرأيتم أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة الثالثة بنات الله ألكم الذكر يقول أتختارون لأنفسكم الذكر من الأولاد وتكرهون لها الأنثى وتجعلون له الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم ولكنكم تقتلونها كراهة منكم لهن؟!
واختلفت القراء في قراءة قوله اللات فقرأته عامة قراء الأمصار بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت. وذكر أن اللات بيت كان بنخلة تعبده قريش، وقال بعضهم كان بالطائف، ذكر من قال ذلك:
ــ حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة أفرأيتم اللات والعزى أما اللات فكان بالطائف
ــ حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قوله أفرأيتم اللات والعزى قال اللات بيت كان بنخلة تعبده قريش
ــ وقرأ ذلك بن عباس ومجاهد وأبو صالح اللاتَّ بتشديد التاء وجعلوه صفة للوثن الذي عبدوه وقالوا: (كان رجلا يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه)، ذكر الخبر بذلك عمن قاله:
حدثنا بن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد أفرأيتم اللات والعزى قال: (كان يلت السويق للحاج فعكف على قبره)
قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد أفرأيتم اللات قال اللات كان يلت السويق للحاج
ــ حدثنا بن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن منصور عن مجاهد اللات قال كان يلت السويق فمات فعكفوا على قبره
ــ حدثنا بن حميد قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله اللات قال رجل يلت للمشركين السويق فمات فعكفوا على قبره.
ــ حدثنا أحمد بن هشام قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي صالح في قوله اللات قال اللات الذي كان يقوم على آلهتهم يلت لهم السويق وكان بالطائف
ــ حدثني أحمد بن يوسف قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن عن أبي الأشهب عن أبي الجوزاء عن بن عباس قال: (كان يلت السويق للحاج)
وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه.
وأما العزى فإن أهل التأويل اختلفوا فيها فقال بعضهم كان شجرات يعبدونها، ذكر من قال ذلك:
ــ حدثنا بن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد والعزى قال العزى شجيرات
وقال آخرون كانت العزى حجرا أبيض، ذكر من قال ذلك حدثنا بن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير قال العزى حجر أبيض
وقال آخرون كان بيتا بالطائف تعبده ثقيف، ذكر من قال ذلك:
ــ حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قوله والعزى قال العزى بيت بالطائف تعبده ثقيف
وقال آخرون بل كانت ببطن نخلة، ذكر من قال ذلك:
ــ حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة ومناة الثالثة الأخرى قال أما مناة فكانت بقديد آلهة كانوا يعبدونها يعني اللات والعزى ومناة
ــ حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قوله ومناة الثالثة الأخرى قال مناة بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب
واختلف أهل العربية في وجه الوقف على اللات ومنات فكان بعض نحويي البصرة يقول إذا سكت قلت اللات وكذلك مناة تقول منات، وقال بعضهم اللات فجعله من اللت الذي يلت، ولغة للعرب يسكتون على ما فيه الهاء بالتاء يقولون رأيت طلحت وكل شيء مكتوب بالهاء فإنها تقف عليه بالتاء نحو نعمة ربك وشجرة، وكان بعض نحويي الكوفة يقف على اللات بالهاء أفرأيتم اللاه، وكان غيره منهم يقول الاختيار في كل ما لم يضف أن يكون بالهاء رحمة من ربي وشجرة تخرج وما كان مضافا فجائزا بالهاء والتاء فالتاء للإضافة والهاء لأنه يفرد ويوقف عليه دون الثاني وهذا القول الثالث أفشى اللغات وأكثرها في العرب وإن كان للأخرى وجه معروف.
وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: اللات والعزى ومناة الثالثة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها]، انتهى كلام الإمام الطبري بتصرف طفيف جداً.
فأنت تلاحظ أن الإمام الطبري لم ينخدع بتلك القصة الخرافية عندما اعتصم بالحق الثابت ألا وهو: (إجماع الحجة من قراء الأمصار على قراءة اللات بالتاء المخففة)، خلافاً لقراءة ابن عباس الشاذة، الذي تبعه عليها نفر قليل. والقرآن لا تثبت قراءاته إلا بالنقل المتواتر أو الإجماع المتيقن، لا غير.
وقد اعترض صاحبنا «المتعالم الدعي»، المذكور آنفاً، علي هذا فزعم تواتر القراءة بتشديد التاء، مستشهداً بطريق اللهبي عن البزي عن ابن كثير، وكذلك برواية رويس عن يعقوب، كما هو في الملحق.
فنقول: هذا غير صحيح فتواتر القراءات، كل واحدة بمفردها على حدة، أمر مختلف فيه، كما يظهر من كلام الطبري، وأبي شامة، ومخالفة ابن الجزري لهما. والظاهر أن الأمر يحتاج إلى تفصيل، وقد فصلنا بعض هذا في الملحق.
وعلى كل حال فرواية اللهبي عن البزي لا تثبت شيئاً لأن الإمام البزي، رحمه الله، عرف بالشذوذ ومخالفة الجمهور، كما هو في الملحق. وأما يعقوب فلم يعرف بالتزامه بالتواتر، خلافاً لشيخ شيوخه أبي عمرو بن العلاء الذي كان لا يقرأ إلا بما ثبت عنده عن الكافة، أي بنقل التواتر أو بالإجماع.
أما بالنسبة لموضوعنا وهو (اللات) هل هي بالتشديد أو التخفيف، فنقول، وبالله التوفيق، أنه من المقطوع به أنه لم ترد إلا هاتان القراءتان مطلقاً:
(1) فمن المحال الممتنع أن تكونا كلاهما باطلتين، هذا خلاف النقل المتواتر، والحجة اليقينية القاطعة في قوله تعالى: }إنا نحن نزلنا الذكر وإتا له لحافظون{، وهذه مقولة كفر، يكفر قائلها بها، ويخرج من الإسلام، إلا إذا قام به بعينه مانع من موانع تكفير المعيَّن!
(2) كذلك محال ممتنع أن تكون الرواية بالتخفيف باطلة، لأنها قطعاً بمفردها متواترة، فهي إجماع السبعة، ما عدا ابن كثير من طريق اللهبي عن البزي، وهي لا شئ: قراءة شاذة باطلة، كما أسلفنا قريباً، والعشرة ما عدا يعقوب برواية رويس، والسلف ما عدا بن عباس ومجاهد وأبو صالح، وربما بعض تلامذة ابن عباس أو تلامذة تلامذتهم، وكلهم في الحقيقة متبعون لابن عباس في هذه القراءة، كما هو عند الطبري حيث قال: [واختلفت القراء في قراءة قوله اللات فقرأته عامة قراء الأمصار بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت، (...)، وقرأ ذلك بن عباس ومجاهد وأبو صالح اللاتَّ بتشديد التاء].
وعليه كذلك إجماع الحجة من القراء، كما نص عليه الإمام الطبري في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [القول في تأويل قوله تعالى: }أفرأيتم اللات والعزى v ومناة الثالثة الأخرى vألكم الذكر وله الأنثى v تلك إذا قسمة ضيزى{]، فذكر عدة روايات راجعها في النقل السابق، ثم عقَّب قائلاً: [وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه]. والإجماع ها هنا ليس إجماعاً على رأي أو قضية نظرية، وإنما هو إجماع على نقل، أي على قضية روائية نصِّية، فهو إذا من أعلى أنواع نقل التواتر.
والإمام الطبري إمام كبير، ومجتهد مطلق، وهو رأس في التفسير والقراءات فلا بد من حمل قوله ذلك محمل الجد، فهو إذا يعتقد أن من قرأ بالتشديد لا تقوم به حجة، ونحن لا نزعم أن ذلك أمر مقطوع به، يكفر منكره، وإنما هو أمر اجتهادي، ولكن سعة علم الطبري، وإمامته في القراءات والتفسير تعطي قوله أهمية خاصة، وهو أولى بالتقديم على الأئمة المتأخرين من أمثال أبي شامة، والجزري، والسبكي. فالقراءة بالتاء المخففة هي قرآن قطعاً، لا يشك في ذلك إلا كافر، وليس كذلك بالنسبة للمثَقَّلة.
وحتى لو ثبتت اللاتّ بالتاء المشددة قرآناً فلا يلزم من ذلك أن تكون من (لاتت)، على وزن فاعل من لتّ بلتّ كما هو في السويق والعجين ونحوه، بل هناك تخريجات أخرى لذلك، نحيل إلى الملحق لمناقشتها، بعضها أجود وأقوى، لا سيما أن ابن كثير وابن محيصن وقفا عليها بالهاء.
وقد حاول الإمام ابن كثير التأليف بين الأقوال المتباينة بعض الشيء، إلا أنه لم يأت بكبير جديد:
v حيث جاء في «تفسير ابن كثير»، (ج: 4 ص: 254 وما بعدها): [يقول تعالى مقرعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن عليه السلام: }أفرأيتم اللات، ... الآيات{، وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عن أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش قال ابن جرير وكانوا قد اشتقوا عدا من اسم الله فقالوا اللات يعنون مؤنثة منه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا اللاتَّ، بتشديد التاء، وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
وقال البخاري حدثنا مسلم هو ابن إبراهيم حدثنا أبو الأشهب حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله اللات والعزى قال كان اللات رجلا يلت السويق سويق الحاج
قال ابن جرير وكذا العزى من العزيز وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا الله مولانا ولا مولى لكم
وروى البخاري من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعالى أقامرك فليتصدق فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته من زمن الجاهلية كما قال النسائي وفي اليوم والليلة أخبرنا أحمد بن بكار حدثنا عبد الحميد بن محمد قالا حدثنا مخلد حدثنا يونس عن أبيه حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال حلفت باللات والعزى فقال لي أصحابي بئس ما قلت قلت هجرا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن شمالك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم لا تعد
وأما مناة فكانت بالمشلل ثم قديد بين مكة والمدينة وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة وروى البخاري عن عائشة نحوه وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها وطواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها قال ابن إسحاق في السيرة وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب وتهدي لها كما يهدى للكعبة وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها وهي تعرف فضل الكعبة عليها لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم عليه السلام مسجده فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم قلت بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول:
يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
وقال النسائي في «الكبرى»: أخبرنا علي بن المنذر أخبرنا ابن فضيل حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ارجع فأنت لم تصنع شيئا فرجع خالد فلما أبصرته السدنة وهم حجيتها أمعنوا في الحيل وهم يقولون يا عزى يا عزى فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثوا التراب على رأسها فغمسها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال تلك العزى
قال ابن إسحاق وكانت اللات لثقيف بالطائف وكان سدنتها وحجابها بني معتب قلت وقد بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها وجعلا مكانها مسجدا بالطائف.
قال ابن إسحاق وكان مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل من ناحية المشلل بقديد فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها ويقال علي بن أبي طالب
قال وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة قلت وكان يقال لها الكعبة اليمانية وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله البجلي فهدمه.
قال وكانت قيس لطي ومن يليها بجبل طي بين سلمى وأجا قال ابن هشام فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه واصطفى منه سيفين الرسوب والمخزم فنفله إياهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهما سيفا علي
قال ابن إسحاق وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له ريام وذكر أنه كان به كلب أسود وأن الحبرين الذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت.
قال ابن إسحاق وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:
ولقد شددت على رضاء شدة فتركتها قفرا بقاع أسمحا]
v وجاء نحو ما سبق في «فتح القدير»، (ج: 5 ص: 107 وما بعدها) للإمام الشوكاني، مع إضافات ولمحات جيدة: [أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: لما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين موبخا لهم ومقرعا أفرأيتم أي أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها وهل أوحت إليكم شيئا كما أوحى الله إلى محمد أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي أشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها وقال الواحدي وغيره وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة ومناة من منى الله الشيء إذا قدره.
قرأ الجمهور اللات، بتخفيف التاء فقيل هو مأخوذ من أسم الله سبحانه كما تقدم. وقيل أصله لات يليت فالتاء أصلية وقيل هي زائدة وأصله لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون عليها ويطوفون بها.
واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء فوقف عليها الجمهور بالتاء ووقف عليها الكسائي بالهاء واختار الزجاج الفراء والوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف فإنها تكتب بالتاء وقرأ أبن عباس وأبن الزبير ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو الجوزاء وأبو صالح وحميد(اللاتّ) بتشديد التاء ورويت هذه القراءة عن أبن كثير فقيل هو أسم رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه فهو أسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل قال مجاهد كان رجلا في رأس جبل وسمنها حيسا ويطعم الحاج وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه وقال الكلبي كان رجلا من ثقيف له صرمة غنم وقيل إنه عامر بن الظرب العدواني وكان هذا الصنم لثقيف وفيه يقول الشاعر:
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها وكيف ينصركم من ليس ينتصر
قال في الصحاح واللات أسم صنم لثقيف وكان بالطائف وبعض العرب يقف عليها بالتاء وبعضهم بالهاء.
والعزى: صنم قريش وبني كنانة قال مجاهد هي شجرة كانت بغطفان وكانوا يعبدونها فبعث إليها النبي صلى الله عليه وإله وسلم خالد بن الوليد فقطعها وقيل كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة وقال عن سعيد بن جبير العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه وقال قتادة هي بيت كان ببطن نخلة.
ومناه: صنم بني هلال وقال أبن هشام صنم هذيل وخزاعة وقال قتادة كانت للأنصار قرأ الجمهور مناة بألف من دون همزة وقرأ أبن كثير وأبن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي بالمد والهمزة فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى يمنى أي صب لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقربون بذلك إليها وأما على القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء وقيل هما لغتان للعرب ومما جاء على القراءة الأولى قول جرير
أزيد مناة توعد يا بن تيم تأمل أين تاه بك الوعيد
ومما جاء على القراءة الأخرى قول الحارثي:
إلا هل أتى التيم بن عبد مناءة على السر فيما بيننا أبن غيم
وقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعا لرسم المصحف، ووقف أبن كثير وأبن محيصن عليها بالهاء.
قال في الصحاح ومناة أسم صنم كان بين مكة والمدينة والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء وهي لغة قوله الثالثة الأخرى هذا وصف لمناة وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى والثالثة لا تكون إلا أخرى قال أبو البقاء فالوصف بالأخرى للتأكيد وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى والعرب إنما تصف به الثانية فقال الخليل إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله مآرب أخرى وقال الحسين بن الفضل فيه تقديم وتأخير والتقدير أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة وقيل إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم لأنها كانت عند المشركين عظيمة وقيل إن ذلك للتحقير والذم وإن المراد المتأخرة الوضيعة كما في قوله قالت أخراهم لأولاهم أي وضعاؤهم لرؤسائهم ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها فقال: }ألكم الذكر وله الأنثى{، أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور وقيل وذلك قولهم إن الملائكة بنات الله وقيل المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء الله ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية والقسمة المفهومة من الاستفهام قسمة جائزة فقال: (%}تلك إذا قسمة ضيزى{%)، قرأ الجمهور ضيزى بياء ساكنة بغير همزة وقرأ أبن كثير بهمزة ساكنة والمعنى أنها قسمة خارجة عن الصواب جائرة عن العدل ومائلة عن الحق قال الأخفش يقال ضاز في الحكم أي جار وضازه حقه يضيزه ضيزا أي نقصه وبخسه قال وقد يهمز وأنشد:
فإن تناء عنا تنتقصك وإن تغب vvvvv فحقك مضئوز وأنفك راغم
وقال الكسائى ضاز يضيز ضيزا وضاز يضوز ضوزا إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص ومنه قول الشاعر:
ضازت بنو أسد بحكمهم vvvvvv إذ يجعلون الرأس كالذنب
قال الفراء وبعض العرب يقول ضيزى بالهمزة، ...، إلخ]، انتهى نص الإمام الشوكاني، رحمه الله، إلا من ترتيب السطور، وعلامات الترقيم فبعضها من اجتهادنا.
v وجاءت في «معجم البلدان»، (ج: 4 ص: 116 وما بعدها) إضافة طريفة: [العُزَّى، بضم أوله، في قوله تعالى: }أفرأيتم اللات والعزى{، اللات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة كانت لغطفان يعبدونها وكانوا بنوا عليها بيتا وأقاموا لها سدنة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إليها فهدم البيت وأحرق السمرة والعزى تأنيث الأعز مثل الكبرى والأعز بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة.
وقال ابن حبيب العزى شجرة كانت بنخلة عندها وثن تعبده غطفان وسدنتها من بني صرمة بن مرة قال أبو منذر بعد ذكر مناة واللات ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات ومناة وذلك أني سمعت العرب سمت بها عبد العزى فوجدت:
ــ تميم بن مر سمى ابنه زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة،
ــ وعبد مناة بن أد،
ــ وباسم اللات سمى ثعلبة بن عكابة ابنه تيم اللات،
ــ وتيم اللات بن رفيدة بن ثور،
وزيد اللات بن رفيدة بن ثور بن وبرة بن مر بن أد بن طابخة،
ــ وتيم اللات بن النمر بن قاسط،
ــ وعبد العزى بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم
فهي أحدث من الأولين وعبد العزى بن كعب من أقدم ما سمت به العرب وكان الذي اتخذ العزى السهو بن أسعد وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له حراض بازاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال فبنى عليها بسا يريد بيتا وكانوا يسمعون فيه الصوت وكانت العرب وقريش تسمي بها عبد العزى وكانت أعظم الأصنام عند قريش وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبائح]
هذه الأقول التي يبدو لأول وهلة أنها متابينة، ليست كذلك في الحقيقة، لأن ما سماه القدامى: «اللات» إنما هو أحد دور عبادتها، أو بعض النصب الوثنية المتعلقة بها، أو بعض الأصنام الممثلة لها أو النائبة عنه: فلا يستغرب أن يكون معبد «اللات» الرئيس في الطائف، ثم تكون لها معابد في أماكن أخرى، وفي مكة على الخصوص، ولا شك أن تلك المعابد تضم بعض أصنامها وأنصابها وأوثانها وأشجارها في داخل بناء المعبد أو في فنائه، وقد يكون بعض ذلك أشجار وصخور في «الحرم» المخصص والمحيط بذلك المعبد أو النصب، ومن المستبعد أن لا يكون ثمة صنم لـ«اللات» في جوف الكعبة، التي كانت تضم مئات الأصنام. وما قلناه عن اللات ينطبق حرفاً بحرف على «مناة»، أو «العزى»، وغيرها من الطواغيت، إلا أن المعبد أو المشهد الرئيس سيكون عادة في مكان آخر، فمعبد «مناة» الرئيس كان على الأرجح في «المشلل»، وهكذا.
كما يجب أن نلاحظ بدقة عدم ورود ذكر قبر أو قبور عند الكلام عن تلك الآلهة، وأصنامها، وأوثانها، ومعابدها، وسدنتها، وكهنتها، وأساطيرها، إلا في القصة الخرافية الباطلة عن «اللات»، الذي كان يلت السويق، وذلك في رواية مجاهد فقط حيث يقول: (كان يلتّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره)، ومع ذلك فلم يرد ذكر لذلك القبر المزعوم في غير هذه القصة، ولم يرد قط أن بيوت الطواغيت كانت فيها قبور أصلاً. نعم كانت فيها أشجار، وصخور منقوشة، كالصخرة البيضاء الطويلة المنقوشة في الطائف، وأنصاب تعلق عليها الذبائح، ولكن ما ورد ذكر قبر قط.
وعلى كل حال فإن هذه المحاولة الفاشلة لفهم اشتقاق لفظة «اللات» تتناقض مع نصوص القرآن القطعية الدالة على كون اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ثلاثة آلهة إناث، لأن جملة }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى{ عائدة ضرورة إلى (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى) لأن السياق التام هو:
v كما قال الله جل جلاله، وسمى مقامه: }مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى v لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى v أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى v وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى v أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى v تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى v إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى v أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى v فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى v وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى v إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى v وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً v فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا v ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى{، (النجم، 53: 17-30).
نعم: هذا هو السياق التام، وزيادة آيات سابقة ولاحقة خارجة عن السياق، فقوله تعالى: }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى{ لم يسبقه في هذا السياق، بل ولا من أول السورة أي ذكر للملائكة، اللهم إلا إشارة إلى جبريل، صلوات الله عليه في قوله تعالى أول السورة: }علَّمه شديد القوى{، وقد قيل أنها إشارة إلى الرب جل وعلا، فمن المحال الممتنع أن تكون هذه الجملة محل البحث }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى{ عائدة على شئ غير (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى). فلا يوجد من أول السورة، إلى الآية محل البحث شيء يصلح أن تشير الجملة إليه إلا: (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى)، ومن المحال الممتنع أن يكون شيء غير ذلك.
وهذه (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى) كانت العرب تعتقد إما:
(1) أنها ملائكة، وأنها بنات الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا، فتكون «اللات» إحدى بنات الله. وهم على كل حال يكرهون أن يكون الولد بنتاً، ومع ذلك طابت أنفسهم بجعل ولد الله إناثاً، بلاً من الذكور، الذين يفضلونهم، لذلك جاء التوبيخ: }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى v تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى{.
(2) أن «اللات» هي صاحبة الله، فتكون من جنس الجن، فتكون من (بنات سروات الجن)، كما هو في بعض الروايات أنهم كانوا يعتقدون أنه، تعالى وتقدس، صاهر إلى الجن أو إلى إبليس خاصة، تعالى الله عن ذلك، في حين أن العزَّى ومناة بنات الله من جنس الملائكة. وهم كذلك يحتقرون المرأة، ويكرهون أن تكون الزوجة شريكاً في الأمر، ولا يأذنون للنساء بالقيادة أو الزعامة، كعضوية دار الندوة المكية مثلاً، ولكنهم جعلوا (صاحبة) الله، تعالى وتقدس، شريكة في الملك والتدبير. وهذا كذلك أهل للتوبيخ: }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى v تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى{.
وعلى هذا الاحتمال الثاني يجوز أن تكون (اللات) عندهم إلاهة أنثى هي (صاحبة) الله، تعالى وتقدس عن ذلك، في حين أن العزى ومناة ابنتان له. وهذا هو الصحيح والمنسجم مع قول جمهور المفسرين أن اللات تأنيث لفظ الجلالة، أو بتعبير أدق: أن (اللات) من (إيلات) في أكثر اللغات السامية، وهي بمعنى الإلاهة، وهذه بدون شك تأنيث لفظة (إيل)، وهي بمعنى الإله، وهو ما تدل عليه الحفريات وعلوم الآثار.
نعم: لقد دلت الأبحاث الحديثة في علوم التاريخ والآثار والنقوش والكتابات التاريخية على أن «اللات» كانت معروفة عند كثير من الشعوب السامية باسمها ذلك، أو قريباً جداً منه، قبل أن تخلق قبيلة ثقيف أصلاً، وكذلك «مناة»، إلاهة الموت (المنية) والقدر، كانت معروفة منذ أزمنة قديمة، وهي إلاهة أنثى، وبعض اللغات السامية يؤنث بالتاء المفتوحة، كما هو في «اللات»، وبعضها بالتاء المربوطة، كما هو في هذا اللسان العربي المبين.
ومن هذا تظهر متانة وجاهة كلام الإمام ابن جرير الطبري الذي قال فيه أن: (اللات من الله)، لأن الأرجح أن لفظة «اللات» العربية أصلها «إيلات» السامية التي هي تأنيث لفظ «إيل» في أكثر اللغات السامية، وهو ما يقابل «إل» أو «إله» في العربية، الذي تحول بعد تحليته بأداة التعريف إلى لفظ الجلالة «الله» في اللغة العربية.
وذلك لأن «إيلات» لفظة سامية قديمة قبل أن يخلق العرب أصلاً، (تماماً مثل: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر)، والظاهر أن ذلك القول، وهو قول لغوي، كان مشهوراً منتشراً عند اللغويين والمفسرين، فلم يجد الطبري ضرورة لذكر إسناد، فهو عن الجمهور، وليس من عند نفسه، وهوكذلك مشهور معلوم عن العبرانيين والسريانيين.
وهو كذلك الذي يظهر من نتائج الحفريات وعلم الأثار، كما هو في المراجع التالية:
v ففي الموقع المذكور أدناه نجد (دليل الآلهة) الذي يذكر أن:
ــ (إيلات) إلاهة أنثى سامية، وأن اسمها تأنيث لاسم (إيل)، واعتبرت أخيراً صاحبة لكبير الآلهة (إيل). وتعتبر هي بعينها الإلاهة السامية (عشيرة) أو (اللات).
ــ وهناك إلاهة في منطقة الرافدين (العراق) أسمها إلَّلات (بتشديد اللام) تختص بالعالم السفلي (عالم المردة أو الجن أو الشياطين؟! أو جهنم؟!)
Guide to the Gods 1.0
http://mrugala.free.fr/Religions/Divers/Anglais/index.html
v وفي موقع آخر يهتم بدراسة آثار الكنعانيين، وبالأخص ما تم اكتشافه في أنقاض مدينة (أوجاريت) العائدة إلى القرن العاشر قبل المسيح، ورد تحت عنوان [عطيرة، أو عشيرة، أو عشتروت، سيدة البحر، «إيلات» (يعني: الإلاهة)] النص التالي:
[قرينة (إيل) المحبة، وهي الحامية والحريصة على أطفالها السّبعين،المعروفين بالآلهة المهذّبة (أو الفاضلة)، فهي لهم الأمّ والمربّية. ولأبنائها، باستثناء (بعل) في أول الأمر، حضرة و«بلاط» إلهي سماوي. وهي تكثر من ارتياد شواطئ البحار]
alt.mythology Canaanite/Ugaritic Mythology FAQ, ver. 1.1
http://pubpages.unh.edu/~cbsiren/canaanite-faq.html
Athirat (Asherah, Ashtartian - 'the Lady of the Sea', Elat - 'the goddess'): [El's loving consort and is protective of her seventy children who may also be known as the gracious gods, to whom she is both mother and nursemaid. Her sons, unlike Baal initially, all have godly courts. She frequents the ocean shore]
وعلى كل حال فكون (اللات والعزى ومناة) آلهة مؤنثة مقطوع به من نص القرآن لا محيص عنه، وكذلك كونها شريكة لله، معبودة من دون الله، وهذا وحده هو الذي يعنينا، بغض النظر عن اعتقادهم فيها كونها من الملائكة، أو كونها بنات الله، أو أن أحدها (صاحبة) الله، تعالى وتقدس، أو غير ذلك، كل ذلك لا يعنينا هنا.
فكون «اللات» أنثى أمر مقطوع به من سياق الآية الكريمة، التي لا تدع مجالاً للشك أنهم كانوا يعتقدون أن اللات، والعزى، ومناة إناث.
وهذا أيضاً هو المقطوع به من روايات التاريخ كلها، بغض النظر عن كون (اللات) ابنة أو صاحبة، فمن ذلك شتم أبي بكر الصديق لعروة بن مسعود الثقفي عندما أغضبه، فقال أبو بكر له: (امصص ببظر اللات: أنحن نفر عنه وندعه؟!)، كما جاء بأصح الأسانيد:
v كما قال الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال أخبرني الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق، ..]، فساق حديث الحديبية الطويل حتى ذكر مجيء عروة بن مسعود لمفاوضة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فجعل يكلم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: (أي محمد: أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك!)، فقال له أبو بكر: (امصص ببظر اللات: أنحن نفر عنه وندعه؟!)، فقال: (من ذا؟!)، قالوا: (أبو بكر!)، قال: (أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك!)، ..إلحديث]، وهو من عدة طرق في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وفي «مسند أبي يعلى» مختصراً، وفي غيرها، كما هو في الملحق.
فكيف تحولت «اللات» وهي إما أحد «بنات الله»، وهي أنثى، وهي كائن إلاهي سماوي، من نفس نوع وجوهر ونسب أبيها، تعالى الله عن ذلك، أو «صاحبة الله»، وهي أنثى أيضاً، وهي كائن إلاهي من جنس الجن، إلى رجل، ذكر، من أهل الأرض يتكون من لحم ودم، كان يلت السويق للحجاج؟! وأي سويق هذا الذي يشربه الحجاج فيسمنون منه، بعد حسوات قليلة أو شرب أيام يسيرة؟! وهل في التخريف والشطح أوغل من ذلك؟!
وهل يجوز أن يبقى أحد في العالم متوهماً كون اللات رجل ذكر، كان يلت السويق للحجاج؟! وإن انخداع عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، بهذه الأسطورة لمن أعجب عجائب الدنيا، ومن أكثر زلات العلماء إثارة للدهشة، والمعصوم من عصمه الله.
ولعل عذر ابن عباس، رضي الله عنهما، إنما هو في أنه لم يدرك الجاهلية إلا طفلاً صغيراً، وإنما شب في الإسلام، فلا يتوقع منه معرفة أوضاع الجاهلية على حقيقتها!
ثم أن «اللات»، الذي يلت السويق، كان في الطائف، حيث تزعم القصة أن معبد «اللات» الرئيس إنما أنشيء على قبره، أو على الصخرة التي كان يلت عليها السويق، فهو إذاً ثقفي، أو حليف لثقيف. فإن كان كذلك فكيف نفسر تسمية العرب لبعض أبنائها بأسماء: تيم اللات، وزيد اللات، وعبد اللات، وذلك قبل أن تخلق قبيلة ثقيف أصلا؟!
v كما جاء في «الثقات»: [دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بن عامر بن بكر بن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة الكلبي كان يشبه بجبريل عليه السلام بعثه النبي، صلى الله عليه وسلم، رسولا إلى قيصر سكن مصر فمات في ولاية معاوية بن أبى سفيان]، فبين دحية، رضي الله عنه، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 13 عشر أباً.
v وكما جاء في «الثقات»: [أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن يزيد بن امرئ القيس بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن كنانة بن عوف بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنيته أبو زيد وقد قيل أبو محمد ويقال أبو زيد توفى بعد أن قتل عثمان بن عفان ونقش خاتمه حب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو بن عشرين سنة وكان قد نزل وادى القرى وأمه أم أيمن اسمها بركة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم]، فبين أسامة بن زيد، الحب بن الحب، رضوان الله وسلامه عليهما، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 12 أباً.
v وجاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [امرؤ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي له إدراك ذكره بن الكلبي قال وقد أمره عمر بن الخطاب على من أسلم بالشام من قضاعة وخطب إليه علي ومعه ابناه حسن وحسين فزوجهم بناته وفي بنته الرباب يقول الحسين بن علي وكان له منها ابنته سكينة
لعمرك إنني لأحب دارا تكون بها سكينة والرباب]
قلت: فبين امرؤ القيس، رضي الله عنه، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 11 أباً.
v وجاء في «الطبقات الكبرى»: [محمد بن السائب الكلبي بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب ويكنى محمد بن السائب الكلبي أبا النضر وكان جده بشر بن عمرو وبنوه السائب وعبيد وعبد الرحمن شهدوا الجمل مع علي بن أبي طالب عليه السلام وقتل السائب بن بشر مع مصعب بن الزبير]، فبين بشر بن عمرو، وهو من جيل الصحابة، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 12 أباً.
v وجاء في «السيرة النبوية»، (ج: 1 ص: 237): [فأم العباس وضرار: نُتَيْلَة بنت جَنَاب بن كليب بن مالك (بن عبد مناف) بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم اللات بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ويقال أفصى بن دعمي بن جديلة]، فبين العباس، رضي الله عنه، وبين تيم اللات بن النمر بن قاسط، 10 أو 11 أباً (من جهة أمه).
فالعرب كانت تسمي (زيد اللات)، و(تيم اللات) قبل النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بحوالي اثنا عشر جيلاً.
v ومن جهة أخرى جاء في «تهذيب الكمال»: [المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي، (وهو ثقيف)، بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار]، فبين المغيرة وبين قسي بن منبه، وهو ثقيف، 9 آباء.
v كما جاء في «الثقات»: [عثمان بن أبى العاص بن بشر بن عبد بن دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف، انتقل في آخر عمره إلى البصرة، وبها مات. أمه: فاطمة بنت عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف] فبين عثمان وبين ثقيف، 11 آباء من جهة الأب، و7 آباب من جهة الأم، بمتوسط 9 آباء، كالمغيرة بت شعبة تماماً.
v كما جاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [َأِسيد بن جارية بن أسيد بن عبد الله بن سلمة بن عبد الله بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي حليف بني زهرة ذكره العسكري وغيره من الصحابة وقال الواقدي أسلم يوم الفتح وشهد حنينا وأعطاه النبي، صلى الله عليه وسلم، مائة من الإبل]، فبين َأِسيد وبين ثقيف، 7 آباء.
v كما جاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن ثقيف، الثقفي أبو ثعلبة، حليف بني زهرة]، فبين الأخنس وبين ثقيف، 8 آباء.
v وجاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [الحارث بن كلدة بن عمرو بن أبي علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن قسي، الثقفي طبيب العرب]، فبين الحارث وبين قسي، وهو ثقيف، 7 آباء.
v وجاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [الحكم بن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي قال أبو زرعة وإبراهيم الحربي له صحبة]، فبين الحكم وبين ثقيف، 8 آباء.
إذاً فقسي، (وهو ثقيف)، بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار كان قبل زمن النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بحوالي تسعة أجيال.
فالعرب كانت إذاً تسمي بزيد اللات، وتيم اللات قبل أن يخلق قسي بن منبه، والد قبيلة ثقيف، بعدة أجيال.
وقد يقول قائل: فلعل «اللاتّ» هذا ليس من ثقيف أصلاً، ولكنه من الطائف من قبيلة أو شعب سكنها قبل ثقيف. فنقول: لا بأس، فهو إذاً قديم جداً، قبل أكثر من اثني عشر جيلاً، فأنى لابن عباس، وجيله أو أبائهم، أو حتى أجدادهم، أن يكونوا قد أدركوه أو شهدوا حياته، أو وقفوا على قبره المزعوم، قبل أن يندرس؟! فالروايات إذاً في غاية الانقطاع، لا تصلح لشيء مطلقاً، ولم يكن على عهد النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قبر يعرف منسوب إلى «اللات» أو إلى أحد معابدها. وثبوت كونه أقدم من ثقيف، فهو من ثم ليس ثقفياً، يبطل جميع الروايات التي تنص على خلاف ذلك، وتفضح حجم التخريف والأكاذيب في تلك الخرافات العربية الشعبية، وقد سبق بعضها في النص المنقول عن الإمام الشوكاني.
والذي نرجحه أن قصة «اللات» هذا الذي كان يلت السويق للحجاج، إنما هي تشنيع على ثقيف، يشبه تشنيع قبائل العرب، وبخاصة القبائل المضرية النجدية على قريش عبادة «أساف»، و«نائلة»، وهما تمثالان في غاية الجمال والإتقان، لعلها ترمز لآلهة شامية أو رومانية، يظهر أنها استوردت من الشام أو من بلاد الرومان واليونان في قديم الزمن لأن العرب ما كانت تحسن فنون التصوير والنحت على ذلك المستوى الرفيع، ووضع أحدهما على الصفا والآخر على المروة. فقالت العرب أنهما عاشقان زنيا في الكعبة، فمسخا تماثيل نصبت على الصفا والمروة عبرة وتخويفاً من مغبة المعصية في الحرم، وفظيع إثم الاستخفاف به، ثم طال الأمد فعبدتها قريش (طبعاً: لسخف عقلها، وعدم أهليتها للقيادة، كما تؤكد القبائل الأخرى المنافسة لها في القيادة والسيطرة على بلاد العرب!!).
ولو قرأ من احتج بمثل تلك الأساطير المكذوبة قوله تعالى: }أفرأيتم اللات والعزى v ومناة الثالثة الأخرى v ألكم الذكر وله الأنثى{، إلى قوله: }إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى{، في سياقها الصحيح بدقة وعناية، وحضور ذهن وبال، وكذلك النقل الصحيح عن خاتمة أنبياء الله، محمد بن عبد الله، المعصوم بعصمة الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، لما قبل بمثل ذلك اللغو والهراء!
u فصل: كيف ترك العرب دين إسماعيل؟!
لا شك أن تفسير ذلك التحول الخطير، تحول العرب من توحيد الحنيفية الإبراهيمية، إلى الشرك والكفر، كان مما أقض مضاجع المفكرين والمؤرخين، وشغل بالهم منذ عهود مبكرة، بل إن أوائل ذلك بدأت في عهد الصحابة، رضي الله عنهم، فمن تلك المحاولات:
v ما أخرجه البخاري بإسناد غاية في الصحة عن ابن عباس قال: [كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاج]، وأخرجه ابن جرير بسنده عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: }أفرأيتم الات والعزى{، (النجم؛ 53:19) أنه قال: [كان يلتّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره]، وأخرج ابن أبي حاتم عنه بلفظ: [كان يلت السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه]، وأخرج سعيد بن منصور لفظاً آخر هو: [كان يلت لهم السويق، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات]،
وقد أسلفنا أن هذه، وغيرها من الروايات المشابهة، وهي لا تخرج عن هذا المعنى، كلها موقوفة، ليس منها حرف واحد مرفوع إلى النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فليست هي من الوحي، ولا حجة فيها، بل ما هي إلا خرافات عربية، وأساطير شعبية، كما أقمنا عليه البرهان اليقيني القاطع، في الفصل السابق، والحمد لله رب العالمين، فسقطت هذه المحاولة، وتمزقت، وانتهى أمرها، وفرغ منها.
v وجاءت محاولة أخرى في «السيرة النبوية»، (ج: 1 ص: 203): [قال ابن اسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى سلخ ذلك بهم الى ان كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلف الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم واسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا الى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: (لبيك اللهم لبيك، لبيكك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده يقول الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: }وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون{، أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا في خلقي]
وهذا مشكل للغاية لأننا قد رأينا أن العرب كانت تسمي أولادها بأسماد وثنية مثل: زيد اللات، وتيم اللات، وزيد مناة، وعبد مناة، وغيرها قبل مجيء النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بأكثر من اثني عشرة جيلاً. والعرب العدنانية، عرب الشمال، أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، ونقل الأخبار لا يعتمد عليه إن كان مشافهة محضة إلا عبر عدد قليل من الأجيال (ثلاثة أو أربعة أجيال فقط، على أكثر تقدير). فلا يمكن الاعتداد بهذا «الزعم»، كما سمَّاه الإمام محمد بن إسحاق، ولا بحال من الأحوال.
كما أن تعظيم الكعبة قديم قدم إسماعيل بن إبراهيم، عليهما وعلى آلهما الصلاة والسلام، وهما قبل زمن النبي محمد، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، بأكثر من سبعين جيلاً، فكيف تأخر الانحراف إلى قبل نحو من اثني عشرة جيلاً، ثم ظهر فجأة، حيث انتشرت التسمية بالأسماء الوثنية؟!
وليس هذا مشكل فحسب، بل هو في الحقيقة زعم باطل، لأن الصحيح، وهو الحق اليقيني، الذي لا ريب فيه: ما ثبت عنه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، أنه قال: «رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار، وكان أول من سيَّب السائبة، وبحَّر البحيرة»، حديث صحيح، غاية في الصحة، أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن أبي عاصم في «الأوائل»، وأبو عوانة، وابن حبان، والطبراني، والبيهقي في «الكبرى»، بأسانيد صحاح، كلهم عن أبي هريرة، وهو عند بعضهم بدون لفظة: «بحَّر البحيرة»، وعند بعضهم بزيادة: «وهو أول من غيَّر دين إسماعيل»، أو «وهو أول من غير عهد إبراهيم».
v وهو في «المستدرك على الصحيحين» مطولاً، حيث قال الحاكم: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الوزير حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعه بن خندف أبو عمرو وهو يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب وغير عهد إبراهيم عليه السلام وأشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون!»، قال: فقال أكثم: (يا رسول الله يضرني شبهه؟!)، قال: «لا، إنك مسلم وإنه كافر!». وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه). وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط مسلم). ونسبه الحافظ في «الفتح» إلى أحمد، ولم أجده.
v وقد ورد هذا مطولاً بإسناد قوي جيد، تقوم به الحجة، في «السيرة النبوية» لابن هشام، قال: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي، أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم! رأيت عمرو بن لحىِّ بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به، ولا بك منه!»، فقال أكثم: (عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟!)، قال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر! إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحَّر البحيرة، وسيَّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي»، وأخرج مثله ابن أبي عاصم في «الأولئل»، وابن أبي عروبة، وابن مندة من طريق بن إسحاق، ونسبه الحافظ في «الفتح» إلى «السيرة الكبرى» لابن إسحاق بهذا اللفظ.
v وأخرج البخاري ومسلم حديث الخسوف الطويل الصحيح عن عائشة، وفيه مرفوعاً: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت فيها عمراً يجر قصبه في النار، وهو الذي سيَّب السوائب».
v وفي «المستدرك على الصحيحين»: أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان حدثنا هلال بن العلاء الرقي حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، رضي الله تعالى عنه ، قال: [بينا نحن مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في صلاة الظهر والناس في الصفوف خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرأينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتناول شيئا، فجعل يتناوله فتأخر، وتأخر الناس، ثم تأخر الثانية فتأخر الناس، فقلت: (يا رسول الله: رأيناك صنعت اليوم شيئا ما كنت تصنعه في الصلاة؟!)، فقال: «إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت قطفا من عنبها ولو أخذته لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه، فحيل بيني وبينه؛ وعرضت علي النار فلما وجدت سفعتها تأخرت عنها، وأكثر من رأيت فيها من النساء: إن ائتمن أفشين، وأن سألن ألحفن، وإذا سئلن بخلن، وإذا أعطين لم يشكرن؛ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم الخزاعي فقال معبد: (يا رسول الله! أتخشى علي من شبهه، فإنه والدي؟!)، فقال: «لا، أنت مؤمن، وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام!»، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: صحيح. قلت: هكذا جاء هنا: معبد بن أكثم الخزاعي، فلعله انقلب على بعض الرواة والأصح: أكثم بن أبي الجون، وأبو الجون هو: معبد الخزاعي.
فالقصة ثابتة بأصح الأسانيد عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي بن كعب، رضوان الله وسلامه عليهم.
v والقصة مروية عن غيرهم من الصحابة: ابن عباس، وجابر، وعبد الله بن مسعود، فقد قال الحافظ في «الفتح»: [....، وروى الطبراني من حديث بن عباس، رفعه: «أول من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي بن قمعه بن خندف أبو خزاعة»، وذكر الفاكهي من طريق عكرمة نحوه مرسلا وفيه: فقال المقداد: (يا رسول الله من عمرو بن لحي؟!)، قال: «أبو هؤلاء الحي من خزاعة!»].
v وقال الحافظ في «الإصابة» أثناء ترجمة أكثم بن معبد أبي الجون، رضي الله عنه: (وأخرج الزبير في كتاب «النسب» قصة أكثم من وجهين آخرين منقطعين، وأخرجه أحمد من وجه آخر عن جابر).
v كما ورد عن عبد الله ابن مسعود قريباً منه مرفوعاً: «إن أوَّل من سيَّب السوائب، وعبد الأصنام أبو خزاعة: عمرو ابن عامر، وإني رأيته يجر أمعائه في النار»، أخرجه أحمد بإسناد فيه ضعف، إلا أنه يعتضد بما سبق.
فالقصة، كما ترى، ثابتة يقيناً بالتواتر، وهي مشهورة عند العلماء، ويذكرها بعضهم بصيغة الجزم من غير إسناد، كما هو في ترجمة الإمام الشهيد أحمد بن نصر الخزاعي في «تاريخ بغداد»، وفي «تهذيب الكمال».
وقد جاء في بعض الروايات أنه رأى تلك الأصنام في الشام، فأعجبته، فاستوردها، ولعل منها أساف ونائلة، وهذا هو عين قولنا، وما تؤكده المصادر التاريخية المتضافرة، وكله يبطل الخرافات والأساطير، من مثل:
(1) هراء «اللات» الذي كان يلت السويق للحجاج، ذلك «السويق» المعجز العجيب الذي يسمِّن الناس من فورهم،
(2) ويبطل غيره من خرافات «أساف»، و«نائلة»، غيرها من الخرافات الشاطحة والأساطير الشعبية المكذوبة،
(3) وينقض «مزاعم» الطواف حول أحجار الكعبة، التي «تطوَّرت» إلى آلهة فيما بعد!
فالتحول من التوحيد إلى الشرك جاء فجأة، على وجه الطفرة، بفعالية رجل داعية واحد كان هو الشيطان المفتون الذي دعى إلى الشرك، وروّج له، فانحسر التوحيد، وبُدِّل دين إبراهيم، في جيل واحد، حتى جاء إمام الهدى، ومصباح الدجى، أبو القاسم محمد، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، فاقتلع الشرك من جذوره، ومحى الله به الكفر، وأظهر دين الحق: الحنيفية الإبراهيمية السهلة السمحة، كذلك طفرة في جيل واحد، فلله الحمد والمنة، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نتأيد.
ونسارع فنقول أن كل ذلك يتعلق في جوهره فقط بعرب الشمال، ولد إسماعيل، ومن كانوا يجاورونهم من القبائل غير الإسماعيلية مثل جرهم في قديم الأزمنة، والموحدين المؤمنين، أتباع نبي الله صالح، من بقايا ثمود، وربما بعض المؤمنين من أتباع هود، بقايا عاد، وإن كانت ديارهم في الأرجح يمانية، وليست في شمال الجزيرة العربية. وحديثاً: خزاعة، وبطون من قضاعة وكلب وبلي وطي، ومن نزل في تلك الديار العربية الشمالية.
أما عرب الجنوب، العرب اليمانية القحطانية، فالظاهر أنهم كانوا أكثر مدنية، وكانوا أهل مدن وقرى وزراعة وصناعة وتجارة، قل أن يوجد فيهم بدو رحَّل، من رعاء الإبل، كما هو غالب حال عرب الشمال. هؤلاء بقوا فيما يظهر على الشرك، كما تشهد بذلك قصة ملكة سبأ، التي أسلمت على يد سليمان بن دواد، عليهما الصلاة والسلام. وتاريخ الجنوب معروف في الجملة فقد فشت اليهودية والتوحيد في اليمن، ولكن بقي مشركون كثيرون، ثم جاءت النصرانية، وأخبار أصحاب الأخدود، وصراع الحبشة وملوك اليمن، ثم الفرس والحبشة، موجودة في كتب التاريخ، فلا نطيل بذكرها.
u فصل: كيف ترك البشر التوحيد الأول؟!
في الفصل السابق أقمنا البرهان القاطع على أن العرب إنما تركوا دين إسماعيل بفعالية رجل واحد، شيطان من شياطين الإنس، هو عمرو بن لحي الخزاعي، لعنه الله. وأثبتنا أن أساطير «اللاتَّ»، الذي كان يلت السويق، وأحجار الكعبة التي كان يطاف بها، لا تستحق حتى أن تروى إلا على وجه التكذيب والتعجب، أو الطرائف والنكت.
فإن كان كل ذلك ترهات وأباطيل، إلا المرفوع إلى خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، فكيف تكون القيمة العلمية لما روي عن كيفية نشأة الوثنية في قوم نوح، بعد التوحيد الأول لولد آدم؟!
ومع ذلك فقد كانت هناك محاولات، بطلها كالعادة عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما. ولا عجب: فالرجل عبقري، منحه الله عقلية فذَّة لا تتوقف عن التساؤل والبحث والتنقيب، وكل ذلك خير وبركة للأمة، بشرط أن يقوم من يأتي بعده بواجب الدرس والتمحيص، والمراجعة والتدقيق، أما التسليم فهو إنما يكون لله ورسوله، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.
v ومن تلك المحاولات ما رواه البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: }ولا تذرن ودَّاً ولا سواعاً، ولا يغوث ويعوق ونسراً{، حيث قال: [صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ودّ: كانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع: كانت لهذيل. وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق: فكانت لهمدان. وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك، وتنسَّخ العلم، عبدت]، وروى عكرمة، والضحاك، وابن إسحاق نحو هذا. وأخرج الطبري بسنده عن محمد بن قيس، قال: [أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدرن بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة! فصوروهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم كانوا يسقون المطر! فعبدوهم].
وهذا على فرض ثبوته إلى منتهاه، لا تقوم به حجة. نعم: كانت تلك أسماء آلهة لقوم نوح، وذلك بنص القرآن القاطع، أي قبل ما يزيد على أربعة آلاف عام قبل البعثة المحمدية، أو ربما أكثر من ذلك بكثير. وتوارثها العرب، وغيرهم من الشعوب الساميَّة، حتى انتهت إلى القبائل المذكورة، وأكثرها قبائل يمانية، في أثر ابن عباس، وربما إلى غيرها، كما هو معلوم من صحاح الحديث، والسير، وبالضرورة من علم التاريخ. ولكن كيف نشأت تلك المعتقدات في ذلك الزمن السحيق، هذا محال أن يعرف إلا بالنقل الصحيح، وما ثمة نقل صحيح، أو يعرف بالوحي، وما ثمة وحي، وأثر ابن عباس ليس بمرفوع حتى يقال أنه من الوحي، وما هي إلا إسرائيليات، أو أساطير عربية، أو خرافات شعبية، ونحوها.
والحق أن الأثر الأول لا يثبت حتى عن ابن عباس، لانقطاعه في موضعين، فقد أخرجه البخاري فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام عن ابن جريج، وقال عطاء عن ابن عباس، رضي الله عنهما. وأخرج عبد الرزاق هذا الأثر في تفسيره بسنده عن ابن جريج قال: أخبرنا عطاء الخراساني عن ابن عباس.
وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، وإنما أخذ كتابه من ابنه عثمان بن عطاء فنظر فيه، وكان ابن جريج لا يرى بأساً أن يقول: أخبرنا في في المناولة والكتابة. وذكر صالح بن أحمد بن حنبل في «العلل» عن علي بن المديني قال: سألت يحي بن سعيد القطان عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني، فقال ضعيف، فقلت: إنه يقول: أخبرنا، قال: لا شيء، إنما هو كتاب دفعه إليه!
قلت: بل هو شر من ذلك، وإنما دفعه ابنه عثمان بن عطاء إليه، وهذا الابن ضعيف، وليس بثقة، وما ندري هل عبث في كتاب أبيه، وما نعلم درجة كتاب عطاء من القيد والشكل والتنقيط، وهو نفسه، أي عطاء بن أبي مسلم الخراساني، مع ذلك كثير الوهم، يرسل ويدلس!
على أن الحفريات والآثار والنقوش الحميرية دلت مؤخراً على أن حمير كانت تعرف (وداً) كذلك، وتربط بينه وبين إله القمر! فهذه الآلهة أكثر ارتباطاً بالكواكب والأفلاك منها برجال صالحين، وإذا ثبت أن نوحاً، عليه الصلاة والسلام كان في شمال العراق (وهو أمر راجح، ولكنه لم يتيقن بعد) فأهل العراق القديم كانوا عبدة نجوم وأفلاك وأرواح علوية، والله أعلم، وهناك قول أن نوحاً إنما ارسل إلى شعب يقطن على الساحل الجنوبي من البحر الأسود أيام كان بحيرة عذبة، معزولة عن بحار العالم، قبل نحو خمسة آلاف عام من البعثة النبوية الشريفة. فالقضية كلها غارقة في ظلمات التاريخ، ومطويات الغيب.
على أن القصة لو ثبتت لا علاقة لها بموضوع «اتخاذ القبور مساجد»، الذي تذكر القصة عادة في إطاره، وإنما هي تتعلق باتخاذ الأنصاب والتماثيل لأولئك المعظمين، وكان ذلك في مجالسهم، وليس على قبورهم، ولا كان هو في مساجدهم، فلا علاقة له بموضوع «اتخاذ القبور مساجد» أصلاً، وإنما هي في الغلو في تعظيم الصالحين ومحبتهم، وخطورة ذلك على التوحيد. لاحظ قوله: (ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك، وتنسَّخ العلم، عبدت)، وبيان الرواية التالية لذلك: (دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم كانوا يسقون المطر! فعبدوهم)، فأول الأمر تعظيم ومحبة غالية مفرطة، ثم اعتقاد فاسد أنه بهم يستسقى المطر، وأنهم يتصرفون في الكون على وجه الاستقلال، ثم الشرك بعبادتهم.
وإليك مزيد من القصص الخرافية المكذوبة المتناقضة:
v حيث جاء في «تفسير ابن كثير»، (ج: 4 ص: 427 وما بعدها): [وروى الحافظ بن عساكر، (8، ورقة: 165) في ترجمة شيث عليه السلام من طريق إسحاق بن بشر قال أخبرني جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال ولد لآدم عليه السلام أربعون ولدا عشرون غلاما وعشرون جارية فكان ممن عاش منهم هابيل وقابيل وصالح وعبد الرحمن والذي كان سماه عبد الحارث وود، وكان ود يقال له شيث ويقال له هبة الله، وكان إخوته قد سودوه، وولد له سواع ويغوث ويعوق ونسر].
قلت: ما شاء الله كان: يختلف الرواة في أسماء أبناء النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهل الطاهر هو نفسه الطيب، وهل هما مجرد لقبان لعبد الله، أو غير ذلك؟! ولكننا «نعلم» أن ود هو شيت ويقال له هبة الله. وسواع ويغوث ويعوق ونسر أبناء لـ«ود»؟!
v وجاء في «تفسير ابن كثير»، (ج: 4 ص: 427 وما بعدها): [وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو عمرو الدوري حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن أبي حرزة عن عروة بن الزبير قال اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه ود ويغوث ويعوق وسواع ونسرا قال وكان ود أكبرهم وأبرهم به]، وهي كذلك في «الدر المنثور»، وها هنا أصبح سواع ويغوث ويعوق ونسر أخوة لـ«ود»، هكذا بقدرة قادر، وليسوا أبنائه!
v وجاء في «تفسير ابن كثير»، (ج: 4 ص: 427 وما بعدها): [وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبي المطهر قال ذكروا عند أبي جعفر وهو قائم يصلي يزيد بن المهلب قال فلما انفتل من صلاته قال ذكرتم يزيد بن المهلب أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله قال ثم ذكر ودا قال وكان ود رجلا مسلما وكان محببا في قومه فلما مات اعتكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه قالوا نعم فصور لهم مثله قال ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه فلما رأى ما بهم من ذكره، قال هل لكم أن أجعل في منزل كل رجل منكم تمثالا مثله فيكون له في بيته فتذكرونه، قالوا نعم قال فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم فكان أول ما عبد من دون الله ود، الصنم الذي سموه ودا]
قلت: وهذه أسطورة مختلفة عن سابقاتها، ولا علاقة لها بموضوع «اتخاذ القبور مساجد»، وإنما هي تتعلق باتخاذ الصور لأولئك المعظمين المحبوبين، وكانت الصور في ناديهم، ثم في بيوتهم، وليس على قبورهم، ولا كانت في مساجدهم، وهي إنما هي في الغلو في تعظيم الصالحين ومحبتهم، المؤدي إلى الشرك، لاحظ جملة: (حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله)!
v والقصة بعينها في «الدر المنثور»، (ج: 8 ص: 293): [وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر يزيد بن المهلب فساق القصة كما هي عندابن أبي حاتم في «تفسير ابن كثير»]
v وفي «الدر المنثور»، (ج: 8 ص: 293): [وأخرج الفاكهي عن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح وكانت الأبناء تبر الآباء فمات رجل منهم فجزع عليه فجعل لا يصبر عنه فاتخذ مثالا على صورته فكلما اشتاق إليه نظره ثم مات ففعل به كما فعل ثم تتابعوا على ذلك فمات الآباء فقال الأبناء ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم فعبدوها]، وهذه محاولة مختلفة لتفسير نشوء الوثنية، ولا علاقة لها بموضوع «اتخاذ القبور مساجد»، وإنما هي تتعلق باتخاذ الصور للأسلاف، كما هي عادة أهل الصين اليوم، وكانت الصور على الأرجح في بيوتهم، وليس هناك ما يدل أنها كانت على قبورهم، ولا في مساجدهم أو معابدهم، فلا علاقة له بموضوعنا أصلاً، والمصيبة إنما هي في الغلو في تعظيم الأسلاف ومحبتهم، المؤدي إلى الشرك والكفر، والصور إنما هي وسائل مساعدة فقط.
v وفي «الدر المنثور»، (ج: 8 ص: 293): [وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: }ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا{، قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة فقال لهم ابليس لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم فقال لهم ابليس إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدوها]
v وفي «الدر المنثور»، (ج: 8 ص: 293): [وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب القرظي قال كان لآدم خمسة بنين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر فكانوا عبادا فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزنا شديدا فجاءهم الشيطان فقال حزنتم على صاحبكم هذا قالوا: (نعم) قال هل لكم أن أصور لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه قالوا: (لا، نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئا نصلي إليه، فأجعله في مؤخر المسجد)، قالوا: (نعم)، فصوره لهم حتى مات خمستهم فصور صورهم في مؤخر المسجد، وأخرج الأشياء حتى تركوا عبادة الله وعبدوا هؤلاء فبعث الله نوحا]، وهاتان قصتان مختلفتان عن محمد بن كعب القرظي، وفي الثانية تفاصيل كأنها من رواية شاهد عيان كان في ذلك المجلس عندما جاءهم أبليس زائراً(؟!!). ولا علاقة لهذه «الأسطورة» بموضوع «اتخاذ القبور مساجد»، وإنما هي تتعلق باتخاذ الصور لأولئك المعظمين المحبوبين، وكانت الصور في مؤخرة مساجدهم، لأن القوم كرهوا اتخاذ شيء في القبلة، كما زعمت القصة.
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس ويعوق ونسرا قال كانوا قوما صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم]، قلت: هذه أهون شيئاً ما، فما ثمة تحديد أجيال، ولا زعم بأنهم من ولد آدم صليبة مباشرة، ولا ذكر لـ«زيارة» إبليس في صورة آدمي، وإنما هي مجرد «وسوسة» منه!! ولا ذكر في القصة للقبور أصلاً، وإن كانت الصور والتماثيل جوهرية في الموضوع، مع أنه لم يرد في القصة أين كانت تلك الصور، وإن كان السياق يشير إلى أنها في البيوت. والمصيبة هنا هي في «الغلو»، وليست في الصور ذاتها، ومن باب أولى ليست في القبور.
هذه القصص المتناقضة، والخرافات المتبتاينة تظهر لك حقيقة هذه الأقوال، وأنها مجرد أساطير شعبية، وخرافات إسرائيلية. وقد تنزه عنها نفر من المفسرين من أمثال قتادة، والضحاك، وابن زيد:
v فقد جاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال كان ود لهذا الحي من كلب بدومة الجندل وكانت سواع لهذيل برياط وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجرف من سبأ وكان يعوق لهمدان ببلخع وكان نسر لذي كلاع من حمير قال وكانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح ثم اتخذها العرب بعد ذلك]
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثنا ابن عبد الأعلى قال حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال كانت آلهة يعبدها قوم نوح ثم عبدتها العرب بعد ذلك قال فكان ود لكلب بدومة الجندل وكان سواع لهذيل وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجرف وكان يعوق لهمدان وكان نسر لذي الكلاع من حمير]
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول حدثنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله ولا يغوث ويعوق ونسرا قال هذه أصنام وكانت تعبد في زمان نوح]
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول حدثنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله ولا يغوث ويعوق ونسرا هي آلهة كانت تكون باليمن]
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله ولا يغوث ويعوق ونسرا قال هذه آلهتهم التي يعبدون]


توحيد الخلق والتكوين



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق