بـــــــــاب
قواعد الاعتصام بالكتاب والسنة
أصل الإيمان الذي ذكرنا في الباب السابق أثناء استعراضنا لشروط قبول «شهادة التوحيد» هو الحد الأدنى المنجي في الآخرة، فلا نجاة بدونه، ولا سعادة من غيره. غير إن فتن الدنيا الكثيرة، من:
(1) الشبهات التي ترد على الفكر،
(2) والشهوات التي تهجم على النفس،
(3) والمصائب التي تحل بالنفس والأهل والولد والمال،
تلك الفتن التي ترد على الإنسان ليل نهار، والتي لا بد أن تَرِد، ومن المحال أن لا تَرِد، لأن هذه الدار، الحياة الدنيا، دار ابتلاء وامتحان، قال، تعالى ذكره: }تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير v الذي خلق الموت ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور{، (الملك؛ 67:1-2)، هذه الفتن توجب أن يكون لدى الإنسان أكثر من مجرد أصل الإيمان، فلا بد له من أن يستكمل الإيمان الواجب، في أقل تقدير، إن عجز عن الإيمان المستحب. ولا بد من الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله، لضمان النجاة من اللعنة السرمدية، والفوز بالسعادة الدائمة الأبدية، كما قال، تباركت أسماؤه: }يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم، وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً v فأما الذين آمنوا ببالله، واعتصموا به، فسيدخلهم في رحمة منه وفضل، ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً{، (النساء؛ 4:174-175).
والبرهان الذي جاء من عند الله، والنور المبين الذي أنزل، هو ضرورة «الذكر» المعصوم المحفوظ المنزل، كما أسلفنا في صلب هذه الرسالة، والذكر هو: القرآن والسنة، لا غير، من غير زيادة، ولا نقصان. والاعتصام بالكتاب والسنة هو العض عليهما بالنواجذ، أي التمسك بهما، علماً، وعملاً، ورداً اليهما عند التنازع. هذا هو الاعتصام إجمالاً، وهذا الكتاب بسط لكثير من جزئياته تفصيلاً، إلا أن ذلك التفصيل يندرج تحت أصول عامة وقواعد كلية، يحسن ذكرها على وجه الاختصار، كما يلي:
الأصل الأول: الإسلام هو التسليم لأمر الله مطلقاً، أي هو الرد إلى الله ورسوله من غير قيد أو شرط. فليس الإسلام هو الصلاة أو الزكاة أو الجهاد أو الامتناع عن الربا والزنا والغش والسرقة، وليس هو الأخلاق الفاضلة، ليس الإسلام هو «عين» ذلك، بل هو «الطاعة للأمر» بذلك. وذلك لأن الخلق إنما خلقوا للعبودية، أي للطاعة: }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون{، (الذاريات؛ 51:56).
الأصل الثاني: الإسلام هو الدين الحق الخاتم. والإسلام، هو الدين الذي أنزله الله على سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره إلى قيام الساعة الكبرى. والشريعة المحمدية هي الشريعة الخاتمة التي لا يجوز العمل بغيرها إلى يوم القيامة الكبرى، ومحمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلن يستجد بعده نبي إلى يوم القيامة الكبرى. فمن ابتغى غير الإسلام ديناً، أو غير محمد نبياً رسولاً، أو غير الشريعة المحمدية شرعة ومنهاجاً فلن يقبل منه، وقد حبط عمله، وخاب سعيه، قال تقدست ذاته، وسمى مقامه: }ومن يبتغ غير الإسلا ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين{، (آل عمران؛ 3-85).
الأصل الثالث: الشريعة المحمدية كاملة. هذا بنص القرآن، حيث قال، تعالى ذكره: }اليوم أكملت لكم دينكم{، (المائدة؛ 5:3)، وبضرورة العقل لأن عموم الشريعة لجميع الخلق، وبقاؤها إلى يوم القيامة الكبرى، كما هو في الأصل السابق، يوجب ضرورة أنها «كاملة» بمعنى أن فيها جميع مراد الله من العباد، أي كل ما يحتاجونه في معاشهم ومعادهم، ومعالجة لكل ما يجد من أمورهم حتى يوم القيامة الكبرى.
الأصل الرابع: حرمة التقديم بين يدي الله ورسوله. هذا بنص القرآن: }يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله{، (الحجرات؛ 49:1). وهو يترتب ضرورة على الأصول السابق ذكرها، فلما كانت الشريعة كاملة وافية بحوائج العباد إلى يوم القيامة الكبرى، ولما كان الإسلام هو التسليم لله مطلقاً، من غير قيد أو شرط، لم يجز للمسلم أن يقطع أمراً أو أن يقدم على عمل أو قول قبل معرفة حكم الله فيه.
الأصل الخامس: الانقياد التام الكامل المطلق. التام: أي من كل وجه، ظاهراً وباطناً. الكامل: أي في جميع الشؤون. المطلق: أي من غير قيد أو شرط. قال، تعالى ذكره: }فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسليماً{، (النساء؛ 4:59)، وقال، جل جلاله: }وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيداً{، (الأحزاب؛ 33:36). وهذا يترتب على الأصل السابق، فإذا كان التقديم بين يدي الله محرماً، وجب أن يترتب على ذلك أن ينقاد الإنسان لحكم الله ورسوله انقياداً تاما كاملا مطلقاً، وإلا لما كانت لحرمة التقديم بين يدي الله ورسوله معنى.
الأصل السادس: وجوب الرد إلى الله ورسوله عند التنازع والاختلاف. هذا كذلك بنص القرآن القاطع: }فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً{، (النساء؛ 4:59). وهذا كذلك يترتب ضرورة على ما سبق من القواعد والأصول: فمن آمن بكمال الدين، وسلم بوجوب الانقياد التام الكامل المطلق لله ورسوله، لزمه الرد إليهما عند الخلاف والنزاع.
الأصل السابع: رد وإبطال ما خالف الشريعة. أي أن كل ما خالف الشريعة باطل بذاته، لا يجوز أن يعمل به، ولا يعتد بآثاره، بل هو كأن لم يكن. وهذا مترتب ضرورة على ما سلف من أصول: فالانقياد التام الكامل المطلق، والرد إلى الله ورسوله عند النزاع توجبان ضرورة إبطال كل ما خالف الشريعة، وإلا فما ثمة انقياد، ولا معنى للرد إلى الله ورسوله عند النزاع. وقد جاء هذا نصاً من كلامه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، حديث صحيح أخرجه مسلم.
الأصل الثامن: تحريم الابتداع أي الإحداث في الدين. وهذا يترتب ضرورة على ما سبق من قواعد، فلما كان الدين كاملاً، وفيه جواب لكل سؤال، علمه من علمه، وجهله من جهله، لم يجز أن يحدث فيه باختراع محض، لا فرق بين زيادة أو نقصان، أو تبديل أو تحريف. وقد جاء التحذير من ذلك نصاً في قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
الأصل التاسع: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وأدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معلومة متواترة، يكفر من ينكرها، ويخرج من الإسلام من جحدها. وهو سياج عملي محكم لصيانة الأصول السابقة لأن الناس لا يزالون يقعون في المنكرات من القول والعمل، فلا يجوز السكوت على ذلك، بل لا بد من كشفه، ونقده وبيان الخطأ فيه، لا فرق بين منكرات الحكام والسلاطين، وهي أفظع المنكرات وأعظمها، وهي بحق التي تهدم الإسلام لأنه يهدمه: (زلة العالم، وجدل المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين)، ونزولاً إلى منكرات رعاة الغنم في الأودية والشعاف ورؤوس الجبال. فكل منكر يجب أن ينهى عنه، وكل خير ومعروف يجب أن يدعى إليه، لمن كان يرجو الله والدار الآخرة، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين!
وصلوات الله وسلامه وتبريكاته على سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا وحبيب قلوبنا محمد،
وعلى آله الطيبين الطاهرين،
وصحبه المخلصين المجاهدين
والحمد لله رب العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق